الحرب الغامضة
الحرب الدائرة الآن بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى ليست وليدة الصدفة، وليست وليدة اللحظة، بل هي حرب تم التخطيط لها منذ سنوات عديدة، وربما تكون بدايتها الحقيقية مع بداية الحرب الروسية الأوكرانية التي أتمت منذ عدة أسابيع عامها الرابع ولم تُحسم حتى يومنا هذا، وما زالت رحاها تدور مستنزفة ثروات روسيا، واقتصاد أوروبا، ولكن الأهم من كل هذا أنها أخرجت روسيا من الصراع العالمي كقوة عظمى ما كان يمكن في ظل وجودها أن تسير الأمور على هذا النحو، بل ربما ما كانت تقع الحرب من الأساس. تماماً كما في تاريخ الحرب الباردة بين القوتين العظميين، حين تلوح إحداهما بالحرب فتكشر الأخرى عن أنيابها فتتراجع الأولى.
أما البداية الثانية، فكانت مع المذابح التي شهدتها غزة وفلسطين المحتلة في أعقاب السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، أي بعد حرب روسيا وأوكرانيا بأقل من عامين، وقد حاول بنيامين نتنياهو حينها كثيراً أن يستدرج إيران إلى الحرب، بعد أن دخلها حزب الله وجماعة الحوثيين وكان التدخل الإيراني محدوداً جداً، وكان من الواضح للعيان أنه يريد إطالة أمد الحرب حتى يبقى آمناً على كرسيه المهدد بالمحاكمات وقضايا الفساد التي تلاحقه. وأن إيران تتحسس خطاها فسكتت عن قتل رئيسها إبراهيم رئيسي، وقتل إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس على أرضها، وضرب سفارتها في سوريا، سكتت عن كل هذا وغيره حتى اعتقد الكثيرون أنها منزوعة القوى.
أما جماعة الحوثيين فقد اتخذت مما يحدث ذريعة لتطويق حركة السفن في باب المندب، ما أدى لتأثر عائدات قناة السويس، حتى إن وزير خارجية مصر السفير بدر عبدالعاطي صرح في أكتوبر الماضي بأن مصر تكبدت خسائر تزيد على تسعة مليارات من الدولارات منذ بداية هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر، كما صرح الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، في ديسمبر الماضي أن خسائر القناة قد بلغت ١٢ ملياراً و٢٠٠ مليون دولار.
من هنا، فإن مضيق هرمز الذي أغلقته إيران من ناحية، ومضيق باب المندب وقناة السويس حيث يتحكم الحوثيون من ناحية أخرى يجعل نصف الوطن العربي بين شقي الرحى، ويجعل تأثير حرب الخليج مضاعفاً على مصر التي لا تزال يحدوها الأمل بحل سلمي يوقف جنون هذه الحرب التي لا نعرف حتى الآن السبب الحقيقي وليس المعلن لما يجري فيها، وما الهدف منها، خاصة بعد أن فشلت الولايات المتحدة الأمريكية في تحريك الشعب الإيراني في إسقاط الحكم، وهو سبب غير منطقي ولا شرعي، وبعد أن ضربت البنية التحتية للطاقة في الخليج، وارتفعت أسعار النفط وتعطل الضخ وضربت العديد من المنشآت، وأصبح العالم كله في أزمة حقيقية.
الحروب عبر التاريخ في معظمها، إن لم يكن كلها، تنشب لأسباب ملموسة وحقيقية ومعلنة سواء كانت منطقية أو غير منطقية، لكن الحالة التي نحن أمامها الآن غامضة تحركها أغراض خفية، حتى إن دول العالم لا تستطيع أن تعلن تضامنها مع طرف ضد الآخر أو تحالفها أو موقفها الواضح، حتى دول الخليج الضحية الأولى لهذه الحرب لا يمكنها أن تحارب إيران أو تنزع القواعد الأمريكية من أراضيها، بل حتى من بدأها وشنها تكبد خسائر مادية وشعبية، فقد خسر دونالد ترامب شعبيته وحلفاءه والدول التي تربطها ببلده مصالح، و«نتنياهو» أصبح شعبه بين مهاجر ومختبئ في الملاجئ ويعيش في ذعر، بينما العالم مستاء ولا يعبر عن استيائه بمواقف واضحة، هي إذن حرب ليست ككل الحروب وبالتالي فإن نتائجها لن تكون ككل النتائج.