تضارب التصريحات في مقابل المعرفة

أمينة خيرى

أمينة خيرى

كاتب صحفي

التصريحات المتضاربة، والبيانات المتناقضة، والقول بأن الحرب انتهت والمنتصر تم تنصيبه والمنهزم في طريقه إلى العصر الحجري، ثم التأكيد على أن الحرب لم تنتهِ، وقد تستمر شهوراً وربما سنوات، ما هي إلا أداة من أدوات الحرب. وقد تكون أشد فتكاً من الصواريخ الباليستية والمسيّرات الهجينة وغير الهجينة. التأرجح الشديد، والضبابية المفرطة، وعدم اليقين المقلق أكثر ضراوة في آثارها من آثار الحروب الفعلية، سواء التقليدية التي تجرى على الأرض، أو الحديثة التي تحتل السماء.

سلاح التناقض يضرب بعنف في أرجاء الكوكب. والمجد للدول التي تتمكن من الإمساك بزمام الأمور، لا من حيث إنهاء الحرب أو استمرارها، فهذا أمر يقتصر في جانبه الأكبر على دول بعينها هي الضالعة بشكل مباشر في التصعيد، والمقررة لتوسع دائرة العدوان والهجوم، سواء كانت من بدأته، أو من قررت أن ترفع سقف الانتقام، ولكن فيما يختص بإدارة شؤونها في الداخل بأقل خسائر ممكنة.

الخسائر الاقتصادية واقعة لا محالة. أما الآثار الاجتماعية والنفسية، فهذا ملعب مرن، يتقن البعض التعامل معه، ويفتقد آخرون قواعد التصرف فيه معتقدين أنه ليس أولوية، أو أنه قابل للانتظار.

وحتى نفهم خطورة الانعكاسات الاجتماعية والنفسية على الشعوب، حريٌّ بنا أن نعي الجوانب الاقتصادية الناجمة -حتى اللحظة- عن الحرب. تقرير بالغ الأهمية صدر قبل أيام عن المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي «التصعيد العسكري في الشرق الأوسط: التداعيات الاقتصادية والاجتماعية على المنطقة العربية». معرفة آثار الحرب على دول الشرق الأوسط، بما فيها الدول غير الضالعة بشكل مباشر، أمر مهم كي تتمكن الشعوب من التفهم والتأقلم وتقدير ما تتخذه حكوماتها من إجراءات لتقليص هوامش الآثار السلبية الخطيرة.

إصدار قرارات، أو اتخاذ قرارات بدون شرح مبسط لكن عميق، ومكاشفة واضحة بدون تهويل أو تهوين، ينجم عنه مواطنون غير مدركين لما يجرى حولهم، ومعتقدين أن «الحكومة تضطهدهم» أو أن صناع القرار غير مدركين للضغوط الاقتصادية التي يعانون منها قبل حرب إيران، فما بالك ببعدها؟!

التقرير يشير إلى أنه حتى في حال انتهت حرب إيران بسرعة، فإن تداعياتها على العديد من الدول العربية عميقة وخطيرة ومؤثرة، ومن شأنها أن تمتد لفترة طويلة. الآثار الاجتماعية والاقتصادية في كل دول المنطقة العربية ستكون شديدة، وكلما همّت الدول بمواجهتها مبكراً، وتنبهت إلى نقاط الضعف في أنظمتها لتلافي تكرار الآثار السيئة، خرجت هذه الدول بأقل أضرار ممكنة. أما الحديث عن دول أو شعوب في المنطقة العربية بلا أضرار، فغير وارد.

ورغم أن الحرب الحالية تظل مقتصرة على دول بعينها، من حيث العمليات العسكرية، إلا أن آثارها الممتدة بسبب تشابك واتصال واعتماد أنظمة التجارة وأسواق الطاقة والشبكات اللوجيستية والتدفقات المالية ببعضها البعض، تنال من الجميع. وهذا من شأنه أن يحول تصعيداً عسكرياً مقتصراً على رقعة جغرافية محددة إلى صدمة إقليمية متشابكة الخيوط.

على سبيل المثال لا الحصر، أموال العاملين في الدول المتأثرة التي يتم تحويلها، تأثر قطاعات مثل السياحة والتجارة، ارتفاع أسعار الوقود عالمياً وشح إمداداته، تأثر سلاسل الإمداد في الكوكب، عثرات عدة في قطاعات مختلفة مثل الزراعة حيث الاعتماد على الأسمدة المتعثر وصولها جراء ما يشبه الشلل الذي أصاب حركة التجارة والنقل العالمية، وكذلك اعتماد جزء منها على الطاقة، بالإضافة إلى قطاع التصنيع وقائمة الأضرار التي تلحق بها جراء هذه الاضطرابات وغيرها كثير يلقي بظلاله بدرجات متفاوتة على الجميع.

هذه ليست مسكنات لتخفيف آلام الوضع الاقتصادي الضاغط، والمعرضة لتكون أكثر ضغطاً. كما أنها ليست تبريراً لبعض الإجراءات التي كان في الإمكان دراستها بشكل أفضل، أو إعادة ترتيب أولوياتها بطريقة تضع مصلحة المواطن في المقدمة. هي محاولة لشرح واقع مؤلم، لن تفلح محاولات تجاهله في التخفيف من حدته.

التقرير ينبه أيضاً إلى أن جانباً من الآثار السلبية شديدة الوطأة ناجم عن مشكلات هيكلية في الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية الموجودة من قبل التصعيد العسكري في الكثير من الدول العربية، والتي فاقمت من حجم هذه الآثار ووقعها والقدرة على التعامل معها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، قلة التنوع الاقتصادي، والاعتماد على الأسواق الخارجية للحصول على السلع والاحتياجات، وتركيبة سوق العمل، والقدرات المادية وغيرها.

خلاصة القول هي أن معرفة أسباب القرارات المؤلمة، والاطلاع على حقيقة الأمور، دون مبالغة ولجوء إلى فزاعات أو تبريرات، ودون تهوين لأنه يدفع المتلقي لخانة الاطمئنان الزائد ومن ثم المطالبة بسياسات طبيعية في ظروف غير طبيعية، طوق نجاة في مثل هذه الأوقات الصعبة والعصيبة.

إنها الأوقات التي تحتاج وعياً مصدره معلومات وحقائق، لا تيك توك وخرافات، ومعرفة قوامها الحقيقة والأرقام والتوقعات العلمية، لا فيسبوك وخوابير التحليل الاستراتيجي.