«برشامة» واحدة لا تكفي!

عصام زكريا

عصام زكريا

كاتب صحفي

قضيت ليلة الأربعاء أمس الأول مع أبنائي في متابعة صفحة وزارة التربية والتعليم لنعرف هل سيذهب الأبناء إلى المدرسة صباح الخميس أم يبقون في البيت بسبب الأحوال الجوية؟ عندما جاء الخبر المنتظر أخيراً، بالقرب من منتصف الليل، تلقت ابنتي التي تدرس بإحدى المدارس الخاصة إخطاراً على مجموعات التواصل بأن نائب مدير المدرسة قرر إعفاء الطالبات من ضرورة الحضور، ولكنه في انتظار تصديق مدير المدرسة النائم بالطبع في هذا الوقت المتأخر من الليل، والذي أغلق هاتفه على ما يبدو ويصعب الوصول إليه.

وبين عجب واستنكار وضحك هيستيري قضينا ساعتين مع أخبار المدرسة التي لا تعلم حتى ما بعد منتصف الليل إذا ما كانت ستفتح أبوابها في الصباح أم لا؟! كل من المدير ونائبه أجنبيان من بلد يتعشى أهله في السابعة وينامون في التاسعة ليستيقظوا مبكراً للذهاب إلى العمل. ومن المؤكد أنهما، مع معظم طاقم التدريس وأهالي الطلبة، قضوا آناء الليل وأطراف النهار في هذا النوع من المواقف المبكية المضحكة. ولكن أحدهم، على ما أذكر، كتب أو قال خلال الأيام الماضية إن مواقف العبث في فيلم «برشامة» تحمل كثيراً من المبالغات غير الموجودة بالواقع، ولكن الحقيقة أن الواقع هو الذي يحمل الكثير من المبالغات التي يصعب على الأفلام تخيلها أو تقديمها.

تحقيق الفيلم لإيرادات بلغت 120 مليون جنيه في أسبوعين دليل على كتابة جيدة وفريق عمل رائع

«برشامة» يحقق منذ بدء عرضه مع عيد الفطر الماضي أرقاماً قياسية تخطت 120 مليون جنيه في أسبوعين، رغم الأحوال الجوية والإغلاق المبكر وامتحانات المدارس التي لا تعرف هل ستفتح أبوابها في اليوم التالي أم لا. وهذا النجاح وراءه بالطبع عناصر فنية متميزة، مثل الكتابة الجيدة وفريق الممثلين الرائعين والإخراج (مع بعض الملاحظات التي ذكرتها في مكان آخر)، ولكن المستوى الفني لا يمكن، بمفرده، أن يصنع نجاح فيلم أو فشله، وكم من أفلام ممتازة فنياً فشلت جماهيرياً، والعكس أيضاً.

«برشامة» تناول موضوعاً يهم كل بيت هو الحالة التي جعلت الغش حقاً مكتسباً بالعنف والبلطجة

نجاح «برشامة» الأساسي، والذي يميزه عن معظم الأعمال الكوميدية التي صدرت في السنوات الأخيرة، سواء أفلام أو مسلسلات، هو أنه يتناول موضوعاً يهم كل بيت في مصر، وهو الحالة المزرية التي وصل إليها التعليم، والتي جعلت الغش حقاً مكتسباً، بالعنف والبلطجة أحياناً، لأهالي وطلبة لا يعنيهم سوى الحصول على الشهادات الورقية دون مؤهلات علمية أو تعليمية حقيقية. الحالة التي جعلت الدروس الخصوصية هي القاعدة والتعلم داخل جدران المدرسة هو الاستثناء، والتي جعلت معظم المناهج صعبة ولكن غير مفيدة، ومتحذلقة ولكن فارغة.

ولست أريد أن أحمل فيلماً سينمائياً فوق قدره، ولكن أصل الكوميديا ووظيفتها الأولى هي أن تعري الواقع وتكشف الأدواء (جمع داء)، وتحرر المتلقي من صلابته العقلية التي تمنعه عن رؤية هذا الواقع وأمراضه، سواء كانت العيوب الشخصية، مثل الحماقة أو البخل أو الجبن أو حب المظاهر.. إلخ، أو كانت عيوباً اجتماعية مثل النفاق والازدواجية والبيروقراطية وانحدار التربية والتعليم.

وجمال الكوميديا أنها تفعل ذلك بخفة و«دلع» ورشاقة، على رأي عمنا صلاح جاهين في رباعيته: «غمض عينيك وامشي بخفة ودلع.. الدنيا هي الشابة وأنت الجدع.. تشوف رشاقة خطوتك تعبدك، لكن أنت لو بصيت لرجليك تقع» وعجبي! مثل معظم الأعمال الكوميدية الجيدة يتسم فيلم «برشامة» بالكثير من هذه الخفة والرشاقة، التي تجعله يسير فوق العجين دون أن يلخبطه، ويعري الجروح دون أن يؤلمها، ويسخر دون أن يهين.

ومنذ أكثر من نصف قرن كانت مسرحية «مدرسة المشاغبين» أول عمل كوميدي كبير يتحدث عن مشاكل التعليم وبداية فقدانه للكفاءة والهيبة، وقيل وقتها، ولم يزل يقال، إن المسرحية سبب، أو من أسباب، خراب التعليم في مصر، وهو قول عبثي من عقول ساذجة يثبت أن مستوى تعليمهم منهار بالفعل. فلا يوجد فيلم أو مسرحية في تاريخ العالم غيرت الواقع، ولكن أقصى ما يطمح إليه عمل درامي هو أن يكشف جزءاً من هذا الواقع، الذي قد يكون الناس غير راغبين في الاعتراف به أو رؤيته.. فلا «مدرسة المشاغبين» جعلت الناس فشلة وجهلة ولا «اللمبي» جعلهم بلطجية، ولكن ما فعل ذلك الإمعان في عدم الاعتراف بالواقع أو رؤيته.

ومرة أخرى لا أريد أن أجدّ في موقع الهزل، أو أتجهم في موقع الضحك، فليس أجمل من التحرر بالفكاهة والنكتة والمبالغات العبثية التي نراها في «برشامة»، كما نراها في مقاطع الفيديو الحقيقية التي ترصد عجائب وطرائف الواقع. وأعتقد أن عمنا صانع الأفلام السوريالية (العبثية) ديفيد لينش هو من قال إن الواقع نفسه يمتلئ بالسوريالية، ويكفي أن تجلس على رصيف أحد المقاهي وتراقب ما يحدث حولك لتكتشف عبثاً وضحكاً لا تتخيله ولا تستطيع تقديمه الأفلام! ولم أزل أذكر الرجل الذي، عقب مشاجرة مع زوجته، نزل إلى الشارع كما ولدته أمه ونام على أطراف كوبري معروف في انتظار السيارات لتدهسه، أو صاحبنا الذي تقدم لخطبة ليلى علوي أثناء تصوير فيلم «إشارة مرور» في مقهى «قشتمر»، والأمثلة يمكن أن تصنع عشرات المواقف والأفلام التي يمكن أن توصف بالمبالغة الزائدة. «برشامة» واحدة لا تكفي، ولكننا نحتاج إلى صيدلية متكاملة لإصلاح التعليم في مصر، ونحتاج إلى الكثير من الأفلام والأعمال الكوميدية والجادة المماثلة التي تكشف لنا بعض سلبيات حياتنا.

ذ23