جسر أدبى حيوى (4)
نشر الكاتب والناقد فرج مجاهد عبدالوهاب، الذي ولد بالدقهلية عام 1961 وحصل على دبلوم المدارس الثانوية الصناعية 1980، ثم ليسانس آداب «لغة عربية» جامعة المنصورة، قصصاً ومقالات في الكثير من الصحف والمجلات العربية، وكان عضواً نشطاً في الكثير من الروابط والجمعيات الأدبية، ونائب رئيس النقابة الفرعية بالدقهلية لاتحاد الكتاب، ومقرر مؤتمر «أصوات معاصرة» عام 2013، وعضواً بأمانة مؤتمر أدباء مصر عامَي 2014 و2015، ورئيس «نادى الأدب المركزى» في الدقهلية لفترات طويلة، كما رأس تحرير مجلة «ترانيم» ومجلة «أفنان»، وصار مدير تحرير مجلة «أوراق ثقافية»، وعضو هيئة تحرير مجلة القصة التي تصدر عن نادى القصة بالقاهرة.
طوال مسيرته الإبداعية والنقدية هذه، على تنوعها وامتدادها، لم يحصد فرج مجاهد سوى جوائز قليلة، لا تكافئ ما أبدعه وأنتجه، مثل الجائزة الأولى للقصة القصيرة في مسابقة الجمهورية عام 2009، وجائزة التميز في مسابقة صلاح هلال حنفي عام 2015، وجائزة إقليم شرق الدلتا الثقافيِّ للنشر في العام نفسه، فضلاً عن عدد من الجوائز البسيطة، وشهادات التقدير.
وكان الرجل يدرك طبيعة دوره في الحياة كمثقف، عليه أن يكون من أكثر فئات المجتمع تأثّراً بالواقع الذي يعيشه، وهنا يقول: «الإنسان المثقف تختلف قماشته عن أي إنسان آخر في المجتمع، إنه عين لاقطة، وأذن مرهفة، وجسم حساس لأي حدث أو تغيير». ثم يرى أن الأديب ثائر بطبعه على الواقع السيئ، ويقول: «وأنا ثائر على الأوضاع منذ سنوات».
ويبدو أن إدراكه هذا لم يصل فقط إلى متابعي كتاباته القصصية والنقدية وحركته في الأوساط الأدبية، بل تمكن أيضاً من نفوس أقرب الناس إليه، فقد شاركت أسرته في ثورة يناير 2011، كل من موقعه، وهنا يقول: «كان ولدي محمد يعود آخر الليل وفي يده قنبلة مسيلة من التي كان الأمن يلقيها على المتظاهرين في الميدان عند المحافظة، وكانت آلاء ابنتي تشارك زملاءها في الجامعة، والأم تهتف أمام مبنى الإدارة التعليمية ضد الفساد».
وهنا تطل برأسها حكاية ابنته آلاء التي كتبت في إجابتها على سؤال التعبير في مادة اللغة العربية في امتحان السنة النهائية بالمرحلة الإعدادية، نقداً لاذعاً للسلطة السياسية، اتهمتها بالتبعية للولايات المتحدة الأمريكية التي لا تعمل من أجل ألا تكون في مصر تنمية أو ديمقراطية حقيقية، فتم تصعيد الأمر من المصحّح إلى رئيس الكنترول، فمدير المدرسة، فالإدارة التعليمية التي أصدرت قراراً برسوبها في المادة، وحرمانها من أداء امتحان بقية المواد. ووصلت المشكلة إلى الصحف، ومنها إلى مجلس الشعب والوزارة، حتى تدخل الرئيس حسني مبارك نفسه، وألغى قرار رسوب آلاء، ووجّه بنصيحتها بأن تعبّر عما تؤمن به، لكن دون ألفاظ جارحة أو قاسية، وفي غير أوراق الامتحان.
ويقول «مجاهد» عن تجربة ابنته، التي شغلت الرأي العام وقتها: «آلاء فتاة من هذا الوطن، تثور ضد أي فساد تراه كأي مصرية أو مصري يحب بلده، ويتمنى أن يراه في مقدّمة الشعوب، لا يتسول معونة من هنا أو هناك. وتجربة آلاء يجب أن ننظر إليها من منظارين، الأول: أن لدينا شباباً واعياً يدرك قيمة مصر، وحجم الفساد المستشري فيها. والثاني: هو مأساة الذين يحكمون مصر من منطلق ذاتيٍّ، وكأنها عزبة خاصة ورثوها عن جدودهم، ولا يقدّرون قيمة هذا الشعب وحضارته ومكانته ومطالبه».
لقد كان الأستاذ فرج مجاهد عبدالوهاب، الذي غادر دنيانا في مارس 2026، مبدعاً أصيلاً، وناقداً مرهف الحس، حيث بدأ مساره الأدبيَّ شاعراً. في الوقت نفسه نجده قد شرح النصوص الروائية والقصصية بذائقة فنية متجدّدة، جعل خلالها حصيلته المعرفية النظرية في الخلفية، وذهب إلى النصوص من زوايا مُدهشة في أغلب الأحيان، لكتاب كثيرين، لكن شباب المبدعين حظوا باهتمامه، فرأوا فيه جسراً حيوياً بين أهل الأدب، ومثقفاً عضوياً، لم يكتفِ بالكتابة، إنما انخرط في تدابير لافتة في عالم الثقافة والأدب، وقدّروه خيطاً متيناً صنعه عامل النسيج والحلج على مهل بين أجيال من الأدباء.