ارتفاع أسعار النفط 55% في شهر واحد.. وتداعيات الحرب تصل للتجارة العالمية والطيران

كتب: محمد علي حسن

ارتفاع أسعار النفط 55% في شهر واحد.. وتداعيات الحرب تصل للتجارة العالمية والطيران

ارتفاع أسعار النفط 55% في شهر واحد.. وتداعيات الحرب تصل للتجارة العالمية والطيران

تتفاقم أزمة الطاقة عالمياً بفعل التوترات فى مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط، ما يضع اقتصادات دول العالم أمام ضغوط متزايدة تشمل كلفة النقل والإنتاج والمعيشة، وذلك وسط سباق إقليمى لتأمين الإمدادات وتفادى تداعيات أوسع قد تطال النمو والاستقرار الاقتصادى، وتأتى هذه التطورات فى وقت تعتمد فيه العديد من الدول بشكل كبير على واردات الطاقة عبر ممرات بحرية حساسة، ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسواق والصدمات الجيوسياسية، ويزيد من حدة المخاوف بشأن استقرار سلاسل التوريد وأسعار السلع الأساسية.

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الخليج، إذ امتدت إلى باب المندب، حيث هدد الحوثيون فى اليمن حركة الملاحة، ما أدى إلى تراجع كبير فى حركة الشحن بين آسيا وأوروبا، واضطرار السفن إلى الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح، مع ما يحمله ذلك من كلفة إضافية وتأخير فى الإمدادات، كما تصاعدت حدة الأزمة مع استهداف منشآت الغاز، خاصة فى قطر، أحد أكبر موردى الغاز الطبيعى المسال فى العالم، ما زاد الضغط على الأسواق الأوروبية والآسيوية، ودفع الأسعار إلى الارتفاع مجدداً.

وتبدو الأزمة الراهنة أكثر من مجرد توتر إقليمى، إذ تحولت إلى اختبار حقيقى لقدرة الاقتصاد العالمى على الصمود أمام الصدمات المفاجئة، فيما لا تزال آثار أزمات سابقة حاضرة، كما تواجه صناعة الغاز اضطرابات مطوّلة فى الخليج العربى، كما بدأت الاقتصادات الناشئة دفع الثمن، فمع كل أسبوع يظل فيه أكبر مصنع للغاز الطبيعى المسال فى العالم مغلقاً، يفقد العالم طاقة تعادل ما يكفى لتشغيل منازل مدينة سيدنى مدة عام كامل.

وأدى الهجوم الإيرانى على قطر لتعطيل نحو 17% من قدرتها على تصدير الغاز الطبيعى المسال، وقد تستغرق أعمال الإصلاح ما يصل إلى 5 أعوام، وفقاً للرئيس التنفيذى لشركة «قطر للطاقة» سعد الكعبى، كما أدت الحرب إلى سحب 11 مليون برميل نفط يومياً من الإمدادات العالمية، ووصفت وكالة الطاقة الدولية الأزمة بأنها أسوأ من صدمتى النفط فى سبعينات القرن الماضى مجتمعتين.

استشارات الطاقة العالمية تتوقع وصول النفط إلى 200 دولار للبرميل حال استمرار إغلاق مضيق هرمز خلال الأسابيع المقبلة

وقدرت شركة استشارات الطاقة «إف جى إى نكسانت إى سى إيه» أن يقفز النفط إلى 200 دولار للبرميل إذا استمر الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز خلال الأسابيع الستة إلى الثمانية المقبلة. وقال رئيس مجلس الإدارة الفخرى، فريدون فشراكى: «كل أسبوع، هناك 100 مليون برميل من النفط لا تمر، وكل شهر هناك 400 مليون برميل لا تمر، وهذا يعنى أنه خلال فترة معينة ستتشكل خسائر هائلة فى السوق».

المستشار الألمانى: استمرار الحرب سيضع عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد والبنك الأوروبى: الآثار طويلة المدى تتجاوز التوقعات الحالية

وتقلبت العقود المستقبلية للنفط فى نهاية شهر مضطرب، متأثرة بتقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» يفيد بأن ترامب مستعد لإنهاء العمليات العسكرية الأمريكية فى إيران حتى إذا ظل مضيق هرمز مغلقاً، كما زادت التقلبات نتيجة ضربة إيرانية جديدة استهدفت ناقلة فى الخليج العربى.

وخلال شهر واحد فقط من اندلاع المواجهة، قفزت أسعار النفط بشكل حاد، حيث ارتفع خام برنت بنحو 55% ليصل إلى أكثر من 110 دولارات للبرميل، فيما اقترب الخام الأمريكى من 100 دولار، وهو أعلى مستوى منذ عام 2022، كما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعى بأكثر من 70%، ما يعكس حجم الضغوط على قطاع الطاقة عالمياً.

الأزمة لم تقتصر على الطاقة فقط، بل امتدت إلى مختلف القطاعات الصناعية، حيث أظهرت تحليلات اقتصادية أن نحو 15 مجموعة من المنتجات تأثرت بارتفاع الأسعار، بما فى ذلك المواد الخام للصناعات الكيميائية والأسمدة والبلاستيك والمعادن. وتراوحت نسب الزيادة بين 10% و50%، ما يشير إلى موجة تضخم قد تضرب سلاسل الإنتاج بالكامل.

وقال رئيس استراتيجية أسعار الفائدة الأمريكية فى «تى دى سيكيوريتيز» جينادى جولدبرج إن «الأسواق غير متأكدة من كيفية التفاعل مع التطورات الجيوسياسية الأخيرة، هل ينبغى التركيز على التأثيرات التضخمية المباشرة أم تداعياتها على النمو الاقتصادى؟»، وأضاف: «ليس فقط أن السيناريوهات الجيوسياسية غير واضحة، بل إن الأسواق أقل يقيناً فى شأن كيفية استجابة الاحتياطى الفيدرالى لها»، ولا تظهر الحرب التى دخلت أسبوعها الخامس أى بوادر على الانتهاء، حتى بعد تمديد الولايات المتحدة مهلة لطهران للموافقة على إعادة فتح مضيق هرمز، وقد أبقى ذلك أحد المؤشرات الرئيسة لأسعار النفط فوق مستوى 110 دولارات للبرميل.

وتتزايد المخاوف داخل الاتحاد الأوروبى من الدخول فى مرحلة ركود تضخمى، وهى حالة تجمع بين تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار، وهى من أصعب السيناريوهات التى تواجه صُناع القرار. وحذر المستشار الألمانى فريدريش ميرز من أن استمرار الحرب سيضع عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد الأوروبى، مشيراً إلى أن التداعيات المحتملة قد تكون بنفس حدة الأزمات الكبرى التى شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، فيما أكدت كريستين لاجارد، رئيسة البنك المركزى الأوروبى، أن تداعيات الصراع قد تستمر لسنوات، محذرة من أن الآثار طويلة المدى قد تتجاوز التوقعات الحالية، وهو ما يعكس حجم القلق داخل المؤسسات الاقتصادية الأوروبية.

ويعد قطاع الطيران من أكثر القطاعات تضرراً، حيث تضاعفت أسعار وقود الطائرات لتصل إلى مستويات قياسية، ما دفع شركات طيران أوروبية إلى رفع أسعار التذاكر، ودراسة تقليص عدد الرحلات، وحذر ويلى والش، المدير العام للاتحاد الدولى للنقل الجوى، من أن القطاع لن يكون قادراً على استيعاب هذه الزيادات، مؤكداً أن انعكاسها على المسافرين بات أمراً حتمياً.

لم تتوقف الأزمة عند حدود الطاقة والنقل، بل امتدت إلى قطاع الصناعة، خاصة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الكيماويات والصلب، حيث تعتمد هذه الصناعات بشكل أساسى على استقرار أسعار الطاقة، ومع الارتفاع الحالى تواجه الشركات الأوروبية ضغوطاً متزايدة، ما قد يدفعها إلى رفع الأسعار أو تقليص الإنتاج، كما أن ارتفاع أسعار المواد المرتبطة بالطاقة، مثل البلاستيك، ينذر بتداعيات أوسع.


مواضيع متعلقة