يسرا زهران تكتب: بين أمريكا وإيران.. «نقاط الاختناق» التي تكسر رقبة الاقتصاد العالمي
يسرا زهران تكتب: بين أمريكا وإيران.. «نقاط الاختناق» التي تكسر رقبة الاقتصاد العالمي
كانت إيران في أزمة مضيق «هرمز» هي الطرف الأضعف عسكرياً والأكثر حنكة عملياً. كانت تحرك لصالحها غابة متشابكة من لوائح التأمين الدولي، وإدارة المخاطر، والمصالح العالمية التي تتداخل كلها لتجعل من استخدام مضيق «هرمز» قراراً لا يمكن أن يحكمه طرف واحد.
يعرف العالم، منذ أن بدأت الشعوب الإنسانية تتواصل مع بعضها حضارياً أو تتبادل مصالحها تجارياً أو تتصادم عسكرياً، مدى أهمية تلك المناطق الجغرافية التى تشبه عنق الزجاجة، والتى تمر من خلالها شرايين المصالح الاقتصادية والملاحية الحيوية، وصار يطلق عليها فيما بعد اسم «نقاط الاختناق».
تلك المناطق التى يؤدى أقل اضطراب فيها إلى تعقيدات يتردد صداها فى كل أجزاء العالم، تماماً كما يعطل الضغط على أى نقطة حساسة فى الجسد الإنسانى تدفق الدم إلى العديد من الشرايين فيه.
أزمة مضيق «هرمز» مثال حى لاستخدام نقطة اختناق جغرافية كورقة ضغط فى حرب لن يكون الانتصار فيها عسكرياً بالضرورة
بعض هذه النقاط الجغرافية التى يمكن أن تخنق العالم اقتصادياً هى ممرات بحرية طبيعية، مثل مضيق «هرمز» الذى يُعد أهم الممرات لنقل نفط الخليج العربى إلى العالم، أو مضيق «ملقا» الذى يربط بين المحيطين الهادى والهندى، الذى تمر موارد الطاقة عبره من وإلى آسيا، ويربط تجارتها واقتصاداتها الكبرى، خاصة الصين، بباقى العالم، أو مضيق «باب المندب» فى البحر الأحمر الذى تأثرت أسعار الشحن والتأمين العالمية بشكل كبير بسبب هجمات الحوثيين فيه مؤخراً. بعضها الآخر تشكَّل نتيجة لجهد بشرى مثل قناة «السويس» التى تُعد ممراً ملاحياً رئيسياً يؤثر فى كثير من سلاسل الإمداد والتجارة العالمية، أو قناة «بنما». وبعضها تعود أهميته إلى زمن بعيد مثل مضيق «البوسفور» فى تركيا، الذى يعرف العالم أهميته منذ عصور تقدُّم «أثينا» القديمة، وحتى طموح «روسيا» الحديثة فى عالم اليوم.
التحكم فى نقاط الاختناق فى النظام الملاحى أو المالى العالمى قد يعنى الانتصار على أى دولة دون الدخول معها فى حرب مباشرة
كانت تلك المضايق هى نقطة الاهتمام الأولى للباحث والدبلوماسى الأمريكى السابق، وخبير العلاقات الدولية الحالى «إدوارد فيشمان» الذى صدر له، قبل شهور من الحرب الأمريكية ضد إيران، كتاب شديد الأهمية حمل عنوان: «نقاط الاختناق: القوة الأمريكية فى عصر الحروب الاقتصادية». كان كتاب «فيشمان» يدور حول فكرة استخدام «نقاط الاختناق» التى تسيطر عليها الدول كأوراق ضغط تضمن لها مكاسب مباشرة أو حماية إضافية فى مواجهاتها أو مفاوضاتها مع الدول الأخرى، لكنه كان يرى أيضاً أن نقاط الاختناق فى عالم اليوم تمتد على مستويين: الأول هو نقاط الاختناق الجغرافية، وهى ممرات ملاحية يمكن منها التحكم فى التجارة العالمية، مثل مضيق «هرمز» فى حالة إيران، والذى يمر من خلاله ما يقرب من خُمس موارد الطاقة من النفط والغاز الطبيعى المسال على مستوى العالم.
أما المستوى الثانى، فهو «نقاط الاختناق» الاقتصادية، وهى التى تقع تماماً تحت سيطرة الولايات المتحدة، وهى التى تربط اقتصادات العالم كلها ببعضها بحيث يؤثر الضغط على أى نقطة منها إلى تعطيل مسار التدفق المالى لأى مكان تريد.
حتى من يملكون قوة بحرية ضئيلة مستقبلاً سيمكنهم فرض تكلفة اقتصادية كارثية على النظام العالمى بعد أزمة «هرمز»
من أمثلة نقاط الاختناق الاقتصادية التى تتلاعب بها الولايات المتحدة: الدولار الأمريكى، واعتماد معظم التبادلات التجارية بين الدول حتى اليوم عليه، والعقوبات الاقتصادية، السلاح الذى تلوِّح به كثيراً قبل الدخول فى مواجهات مباشرة. ثم نظام التأمينات البحرية، الذى كان له دور كبير فى أزمة مضيق «هرمز» الحالية وإن كان قد لعب هذه المرة لصالح إيران. وظهرت مؤخراً «نقاط اختناق» أخرى تضغط بها الولايات المتحدة على اقتصادات دول أخرى منافسة، مثل التحكم فى أنواع معينة من الصادرات، وعناصر ومواد التكنولوجيا الحيوية.
هى كلها نقاط وأوراق ضغط فى الحروب التى تتم على أكثر من مستوى، وأغلبها يكون صراعات أو مواجهات لا تصل إلى درجة المواجهة العسكرية المباشرة كما حدث مع إيران، ولكنها تحمل بجدارة لقب «الحروب الاقتصادية» التى تخوضها الولايات المتحدة أحياناً ضد الصين، وأحياناً ضد روسيا، وتشنها بدرجات متفاوتة منذ قيام الثورة الإسلامية وسقوط حكم الشاه فى نهاية السبعينات ضد إيران.
دراسة باكستانية: إيران أدركت أن خسائرها العسكرية لا يمكن تعويضها وأن الضغط الاقتصادى سيحقق لها أهدافها السياسية حتى بعد الهزيمة
«فيشمان» نفسه عمل فى الفرق التابعة لوزارة الخارجية الأمريكية التى قامت بتصميم وتنفيذ العقوبات الاقتصادية الغربية ضد روسيا بعد قيامها بضم «القرم» إليها عام 2014، والتى شنت حملة ضغوط اقتصادية واسعة ضد إيران أدت إلى الاتفاق النووى معها عام 2015 فى عهد الرئيس الأمريكى الأسبق «باراك أوباما». وكان مستشاراً لبعض وزراء الخارجية وكبار المسئولين عن العقوبات الاقتصادية فى وزارة الخزانة الأمريكية حول طرق التفاوض باستخدام نقاط الاختناق الأمريكية فى حروبها الاقتصادية.
ويرى «فيشمان» أن الحروب الاقتصادية التى تتم باستخدام أوراق الضغط، أو نقاط الاختناق فى النظام المالى العالمى، لا تختلف كثيراً فى طبيعتها وخطورتها عن مناطق «عنق الزجاجة» فى الممرات الملاحية الحيوية الدولية على الأرض. كلاهما يعتمد على تعطيل السير فى القنوات والممرات التى تربط العالم ببعضه، ومنع وصول السلع والاحتياجات، سواء كانت مادية أو مالية، إلى غاياتها.
هذا التحكم فى نقاط الاختناق، سواء فى النظام الملاحى أو النظام المالى العالمى، يُعتبر أحد الأساليب التى يمكن أن تؤدى إلى الحلم الأزلى بالانتصار فى أى مواجهة مع أى دولة أخرى دون الدخول معها فى حرب مباشرة.
ويفسر ذلك فى كتابه قائلاً: «إن حرمان الخصم من الأموال والموارد وفوائد وثمار التبادل التجارى يمكن له أن يُضعف من عزيمته ويدفعه إلى تقديم مزيد من التنازلات. مثل هذه التكتيكات يمكن لها أيضاً أن تُظهر مدى وحجم القوة الاقتصادية التى يمتلكها أى طرف (الولايات المتحدة فى هذه الحالة) لكى يراها الكل ويحسب لها ألف حساب. وحتى لو رفض العدو الاستسلام، فإن الحرب الاقتصادية يمكن لها أن تُضعف من قدراته التصنيعية ومن قوة جيشه، وبالتالى من قدرته على المواجهة العسكرية المباشرة».
وعلى العكس من الحروب التقليدية التى تدور رحاها على الأرض، فإن الحروب الاقتصادية، التى وصلت إلى عصرها الذهبى فى 2006، تتم إدارتها، كما يقول «فيشمان»: «داخل غرفة سرية بلا نوافذ فى قلب البيت الأبيض الأمريكى والمبانى الداخلية فى «الكرملين» الروسى، أو الأروقة الدبلوماسية فى أوروبا، أو المقرات الرئيسية للبنوك فى «وول ستريت» الأمريكية، وحتى فى مضيق «هرمز» الذى تمر من خلاله حاويات تحمل خُمس احتياجات العالم من واردات النفط فى مرور متعسر تحت نظر السفن الحربية الإيرانية».

النموذج الإيرانى سوف يتكرر مستقبلاً فى الصراعات التى يكون أحد أطرافها دولة تتحكم فى نقطة اختناق تكلف العالم الكثير
إن الحروب أو المواجهات الحديثة فى أقسى صورها هى تلك التى تجمع بين نقاط الاختناق الجغرافية والاقتصادية فى وقت واحد، ومضيق «هرمز» نموذج فريد لذلك التداخل. والواقع أن ما فعلته إيران فى مضيق «هرمز» كان مثالاً حياً لكيفية استخدام نقطة اختناق جغرافية كورقة ضغط فى حرب لن يكون الانتصار فيها عسكرياً بالضرورة. إن مجرد «تهديد» الملاحة فى هذا الممر الحيوى قد أدى إلى رفع أسعار البترول وموارد الطاقة على نحو أصبح يشكل ضغطاً على اقتصاد أوروبا وآسيا وحلفاء الولايات المتحدة، وإلى زيادة الأسعار ومعدلات التضخم عالمياً.
كل هذا جعل البعض ينظر إلى مضيق «هرمز» على أنه قد أصبح يشكل فى عالم اليوم أكثر نقاط الاختناق الجغرافية خطورة، ليس فقط لأنه يلعب دوراً محورياً فى مسارات طرق التجارة الدولية بشكل عام، ولكن أيضاً لأنه يتحكم مباشرة فى تدفق موارد الطاقة كالنفط والغاز الطبيعى، من مصادرها الرئيسية إلى المناطق الأشد احتياجاً لها، على نحو يحوِّل أقل تهديد له إلى انقطاع أو تداعٍ فورى لسلاسل الإمداد والطاقة، بما يفرض ضغطاً رهيباً على البنوك المركزية حول العالم، وترتفع بسببه معدلات التضخم والأسعار بسرعة البرق.
ما إن انطلقت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وقررت «طهران» أن تلوِّح بأقوى ورقة ضغط لديها، وهى سيطرتها على «مضيق هرمز»، عادت وسائل الإعلام والمراكز البحثية الغربية من جديد إلى كتاب «فيشمان» الذى اعتبرته واحداً من أهم الكتب التى تصف آليات الصراع الدائر حالياً بين الولايات المتحدة وإىران. كان من ضمن هؤلاء المحلل الاستراتيجى والباحث الباكستانى المتخصص فى العلاقات الدولية «نعيم طاهر بايج»، الذى نشر دراسة فى دورية «دراسات الأمن الدولى» تحت عنوان «نقاط الاختناق كسلاح.. استراتيجية إيران فى مضيق هرمز».
قال فيها: «إن الحرب ما بين الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية وإيران من ناحية أخرى قد تسببت فى إحداث أكبر اضطراب فى طرق الملاحة البحرية فى التاريخ الحديث. إلا أن أكثر ما يلفت النظر فيها لم يكن هو الشكل التقليدى للحروب العسكرية، وإنما قيام «طهران» بتحويل مضيق «هرمز» إلى سلاح أثبتت من خلاله أنه فى ظل اقتصاد العولمة السائد فى القرن الحادى والعشرين شديد التشابك والتداخل، فإن من يسيطر على نقطة اختناق بحرية، كما هو الحال مع إيران، لا يحتاج لأن يكون قوة بحرية عظمى حتى يفرض نوعاً من الضغط الاقتصادى الكارثى على النظام العالمى. لم تكن إيران بحاجة إلى أكثر من عدد ضئيل من الطائرات المسيَّرة، وبث بعض رسائل التهديد التى امتزجت بالميل المتوقع إلى تجنب المخاطر الذى يسيطر على أسواق التأمين العالمية، لكى تنجح فى تحقيق ما لم تقدر عليه أربعة عقود من التهديدات الاستراتيجية للبحرية الإيرانية: وهو الإغلاق الفعال لمضيق «هرمز». هذه الأزمة التى شهدها المضيق فى حرب 2026 لن تكون مجرد حدث استثنائى أو انحراف عن المألوف، ولكنها ستكون نموذجاً قد يتبعه كثيرون فيما بعد».
والسبب هو أن إيران قد تنجح فى تحقيق مكاسب سياسية حتى لو تكبدت خسائر عسكرية من العيار الثقيل، كان من الممكن أن تضعها فى موقف المهزوم بلا مناقشة، لو أن الأمر كان يتعلق فقط بدولة عادية لا تتحكم فى نقطة اختناق.
تقول الدراسة: «لقد نجحت إيران فى أن تفرض خسائر اقتصادية كارثية على النظام العالمى فى الوقت الذى تكبدت فيه خسائر عسكرية فادحة. تعرضت منشآتها النووية للتدمير، وتم اغتيال المرشد الأعلى للثورة فيها، وإغراق ما يقرب من ١٧ سفينة حربية تابعة لها. منطق الردع التقليدى الذى يفترض أن أى طرف عاقل سيتخلى عن القيام بأى تحركات يمكن أن تكلفه الكثير عند مواجهة قوة عسكرية هائلة كالتى تعرضت لها إيران، لم يمنع «طهران» من تحويل مضيق «هرمز» إلى سلاح، لأن حسابات التكلفة والمكاسب قد صارت اليوم تعمل فى أكثر من مجال وعلى أكثر من مستوى. أدركت إيران أن خسائرها على المستوى العسكرى لا يمكن تعويضها، إلا أن الضغط الاقتصادى يمكن أن يحقق لها أهدافها السياسية حتى لو كانت فى موقف المهزوم عسكرياً. وأغلب الظن الآن أن هذا النموذج سوف يتكرر مجدداً فى الصراعات المستقبلية التى يكون أحد أطرافها دولة غنية بالموارد وتتحكم فى نقطة اختناق، تجعلها قادرة على أن تكلف العالم الكثير من خلال اللجوء لاستخدام أساليب وآليات غير عسكرية، حتى لو كانت تعانى من هزيمة عسكرية كارثية بالمفهوم التقليدى».
كان اللافت للنظر، من وجهة نظر الدراسة، أن إيران قد ابتكرت نظاماً جديداً لإظهار سيطرتها على المضيق. تقول: «إن النظريات التقليدية فيما يتعلق بإغلاق الممرات البحرية الحيوية تركز على فكرة المنع باستخدام أساليب محسوسة مثل زرع الألغام، واستخدام القطع البحرية أو الصواريخ والغواصات. إلا أن ما كشفت عنه أزمة مضيق «هرمز ٢٠٢٦» هو أنه، فى ظل اقتصاد العولمة الحالى، يكفى إطلاق تهديد قابل للتصديق، مدعوماً بأقل قدر من التحرك الفعلى لإحداث إغلاق اقتصادى يحكمه منطق تفادى المخاطر الذى يسيطر على أسواق التأمين الدولية ويحكمها، حتى من دون أن يمتلك الطرف الذى يطلق هذا التهديد القدرات البحرية التقليدية التى يحتاج إليها فرض منع الملاحة فى الممر البحرى. هذا النموذج ستكون له تداعيات عميقة على مستقبل التهديدات البحرية التى لن يحتاج أصحابها لقدرات كبيرة حتى يشكلوا تهديداً على نقطة اختناق جغرافية، بالتالى سيصبح متاحاً أمام العديد من الأطراف فرصة اللجوء لاستخدام هذا النوع من الحروب الاقتصادية. الواقع أنه حتى من يمتلكون قوة بحرية متدهورة أو ضئيلة بالمفهوم التقليدى سوف يكونون قادرين على فرض تكلفة اقتصادية كارثية على النظام العالمى لو أنهم يسيطرون جغرافياً على منطقة قريبة من نقطة اختناق بحرية، وقدرة على التهديد باستخدام طائرات مُسيَّرة أو صواريخ بما يكفى لتثبيط همة الأطراف التى تقوم بتغطية تأمينات نقل الطاقة».
إلا أن الأهم، وفقاً للدراسة، أن مجريات تهديد إيران بإغلاق مضيق «هرمز» قد كشفت عن حدود القوة الأمريكية عندما يتعلق الأمر بالسيطرة على نقطة اختناق. تقول: «كشفت ردة فعل الإدارة الأمريكية للتهديد الإيرانى بإغلاق مضيق «هرمز» حدود القدرة الأمريكية على التصعيد فى نقطة اختناق بحرية.
أعلن الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» أن الولايات المتحدة سوف توفر تأميناً ضد مخاطر الحرب للسفن التجارية التى تعبر الخليج بأسعار معقولة للغاية، وأنه لو لزم الأمر فإن البحرية الأمريكية سوف تصحب الحاويات خلال عبورها لمضيق «هرمز».

مثل هذه التصريحات ساعدت على أن تستقر أسواق النفط بشكل جزئى، وأن تتراجع أسعار نفط خام برنت عن ارتفاعها غير المسبوق. إلا أن القدرة الفعلية للقوات البحرية الأمريكية على فرض مثل هذا التحرك ظلت موضع تساؤلات وشك.
وبداية من 3 مارس، تم نشر عدة قطع بحرية أمريكية فى المنطقة، إلا أنها كانت غير كافية لمرافقة كمّ الحاويات الذى يحتاج للمرور يومياً عبر المضيق. وصرَّح قائد البحرية الأمريكية، الأدميرال «براد كوبر» بأن مضيق «هرمز» قد أصبح خالياً من السفن الحربية الإيرانية بعد أن أغرقت الولايات المتحدة 17 سفينة منها، الأمر الذى أظهر بوضوح معضلة السيطرة الأمريكية على هذه المنطقة: لقد قامت البحرية الأمريكية بالفعل بتدمير الأسطول الإيرانى على سطح البحر، لكنها ظلت فى نفس الوقت عاجزة عن إعادة فتح خطوط الملاحة والشحن التجارى لأن آلية الإغلاق كانت آلية مالية تتعلق بتأمين السفن، وليست إغلاقاً عسكرياً.
لم تكن القوة العسكرية الإيرانية هى الآلية الحاسمة لإغلاق المضيق، بل سحب التأمين البحرى ضد مخاطر الحرب. وقد تجلى هذا الأمر على النحو التالى: بدأت شركات التأمين الدولية الرائدة فى مجال الحماية والتعويض فى مجال الشحن التجارى، والتى تغطى مسئولية الطرف الثالث للسفن التجارية، بإلغاء تغطية مخاطر الحرب الحالية للسفن العاملة فى الخليج.
ويوم 5 مارس، تم سحب تأمين الحماية والتعويض للمضيق بالكامل. وبدون هذا التأمين، لا تستطيع السفن دخول معظم الموانئ بشكل قانونى، ولا يمكنها تلبية متطلبات المستأجرين والبنوك وسلطات الموانئ. وحتى لو رغب مالكو السفن الأفراد فى تحمُّل المخاطرة، فإن لوائحهم الداخلية وهياكلهم المالية تجعل التأمين شرطاً قانونياً مسبقاً وضرورياً حتى تتم عمليات النقل. وهو ما لخَّصه «مونرو أندرسون»، الخبير فى شركة «فيسيل بروتكت»، المتخصصة فى مجال التأمين البحرى ضد الحروب، واصفاً هذه الآلية التى اتبعتها إيران فى مضيق «هرمز» قائلاً: إن السوق كان يواجه إغلاقاً فعلياً لمضيق «هرمز» يقوم أساساً على افتراض وجود التهديد وليس تحقق هذا التهديد. كان الأمر كأن إيران قد أوكلت مهمة تنفيذ حصار مضيق «هرمز» إلى نظام التأمين العالمى (وليس إلى قدراتها الخاصة)».
لم يعد الأمر إذن مجرد سفن بحرية يتم إغراقها فيتحقق الانتصار، ولا سيطرة تُفرض على نقاط الاختناق الحيوية من خلال استعراض للقوة العسكرية الغاشمة بلا ضابط ولا رابط. كانت إيران فى أزمة مضيق «هرمز» هى الطرف الأضعف عسكرياً والأكثر حنكة عملياً.
كانت تحرك لصالحها غابة متشابكة من لوائح التأمين الدولى، وإدارة المخاطر، والمصالح العالمية التى تتداخل كلها لتجعل من استخدام مضيق «هرمز» قراراً لا يمكن أن يحكمه طرف واحد. وكانت تلك هى الطريقة الإيرانية فى الضغط على الولايات المتحدة باستخدام «نقاط اختناق» اقتصادية إضافية فى نظام التبادل التجارى العالمى، ذات طبيعة تختلف عن نقطة الاختناق الجغرافية التى تسيطر عليها فى المضيق الحيوى، لكنها لا يمكن أن تنفصل عنه.
وهى نقاط الاختناق التى وصفها «فيشمان» فى كتابه بأنها أدوات الحروب الاقتصادية التى يديرها بيروقراطيون وموظفون من مكاتبهم أكثر من القادة الذين يحركون جنودهم على الأرض، وكانت الولايات المتحدة هى التى وضعت «دليل الاستخدام» الأول لها فى مواجهاتها مع روسيا والصين، وحتى لسنوات طويلة مع إيران، التى قلبت الطاولة ضد الولايات المتحدة فى أزمة مضيق «هرمز» الأخيرة، لتستخدم نفس أسلحتها هذه المرة ضدها.
لكن هذه قصة أخرى.
