علي الفاتح يكتب: سلفيون وعلمانيون.. الطابور الخامس في مسرح العمليات العسكرية
علي الفاتح يكتب: سلفيون وعلمانيون.. الطابور الخامس في مسرح العمليات العسكرية
العدوان الأمريكي - الصهيوني على إيران فجّر أمام العقل الشرق أوسطي قضايا سياسية وفكرية وثقافية طالما أهملها وتجاهل الاشتباك معها، حتى أصبحت سلاحاً فتاكاً يستخدمه الغرب الصهيوني لإبقاء الإقليم في حالة صراع دائم، وعجز عن تجاوز إشكاليات القرون الوسطى، وما قبلها.
ما يهمنا هنا التركيز على الأخطاء الاستراتيجية، التي وقعت فيها دول الشرق الأوسط، وأوصلتنا إلى انفجار الأوضاع على هذا النحو الخطير، الذي يهدد بحالة من عدم الاستقرار وانعدام الأمن والتراجع الاقتصادي على المديين القريب والمتوسط، في أقل تقدير.
أبرز تلك الخطايا تبني مشروعات توسعية على حساب الدول الجارة، وتهديد أمنها واستقرارها ومصالحها، انطلاقاً من انتماء مذهبي، واستخدام هذا المذهب في إذكاء صراعات طائفية مقيتة داخل المجتمعات العربية، ما نتج عنه تشكيل ميليشيات مسلحة وجماعات انفصالية تناهض الدولة الوطنية المركزية، تحت زعم مقاومة الاحتلال الصهيوني.
وهذا ما فعلته إيران، منذ قيام الجمهورية الإسلامية (الشيعية)، فوضعت مشروعها في مقابل المشروع الصهيوني، واعتقدت أنها تستطيع تقويض هذا المشروع بمنأى عن الدول العربية، بل وعلى حساب بقائها واستقلالها.
وفي سبيل ذلك استثمرت إيران استراتيجية الولايات المتحدة باستخدام الصراع السني - الشيعي القديم في جعل إيران «بعبع» ومصدر تهديد لدول الخليج، حتى تتمكن من ابتزازها وتسخير مقدراتها لخدمة المصالح الأمريكية والصهيونية.
لا بد من التذكير هنا بأن الولايات المتحدة سمحت بتمدد النفوذ الإيراني الشيعي داخل العراق، بعد غزوه واحتلاله عام 2003.
في المقابل، غاب المشروع العربي المستقل القادر على حماية مصالح وأمن شعوب المنطقة من أطماع المشاريع الخارجية، وطوال عقود لم يُنظر إلى المشروع الصهيوني التوسعي باعتباره الأخطر على المنطقة كون الكيان الصهيوني بالنهاية مجرد قاعدة عسكرية متقدمة وظيفتها رعاية المصالح الغربية على حساب الحقوق العربية.
وفيما حضرت مؤتمرات وشعارات الحوار بين الأديان (الإسلام، المسيحية، اليهودية) غاب تماماً أي جهد حقيقي من جانب النخب السياسية والثقافية لوأد فتنة السنة والشيعة، المشتعلة منذ 1400 سنة تقريباً.
لم تحدث مواجهة أمنية أو سياسية أو فكرية، لمن يزودون نار تلك الفتنة بالحطب، وسُمح بدعم وتمويل جماعات سلفية وأخرى شيعية مهمتها الوحيدة بث خطاب الكراهية والتحريض والتكفير للآخر المختلف في المذهب، أي الفرع، وليس في الأصل، أي الدين (الإسلام).
الاعتماد على القواعد العسكرية الأمريكية بشكل مطلق في حماية الاستقرار والأمن والاستثمار دفع بشعور زائف للاطمئنان من ناحية الكيان الصهيوني كونه تابعاً للولايات المتحدة، وإحدى أدواتها، ومن ثم لا يمكن أن يشكل تهديداً مباشراً لشعوب المنطقة بأمر من «واشنطن».
وتم تجاهل حقيقة سياسية وتاريخية، وهي أن هذا الكيان استيطاني توسعي وأجنبي تم فرضه على الإقليم بالقوة، وليس جزءاً منه، وهو ما تبعه بالضرورة تجاهل أن إيران دولة قديمة، وستظل باقية مهما تغيرت طبيعة نظام الحكم فيها، أي إن التعامل معها ضرورة حتمية وتاريخية لاحتواء أحلامها ومشاريعها التوسعية عبر بناء منظومة أمن قومي عربي موحدة قادرة على تحجيم وتهذيب مشروع الجمهورية الإسلامية التوسعي عبر عناصر القوى الشاملة، التي تبدأ بالقوة العسكرية الضاربة، ولا تنتهي عند حدود التعاون والتكامل الأمني والاقتصادي والسياسي والثقافي.
غياب المشروع العربي جعل نظام الملالي يعتقد أن آليات العصور الوسطى وما قبلها لإقامة الإمبراطورية ما زالت حاضرة وصالحة للاستخدام.
هذا الفراغ جعل بعض الأطراف الإقليمية صغيرة الحجم تعتقد أن بوسعها بناء مشروعها التوسعي، الذي هو بطبيعة الحال أكبر من إمكاناتها وقدراتها، عبر لعب أدوار وظيفية لصالح أجندة الهيمنة الصهيوأمريكية، إما بدعم تنظيمات وحركات الإسلام السياسي الإرهابية، وهو ما شهدناه فيما سمي بثورات الربيع العربي، أو بدعم جماعات وحركات انفصالية هدفها تفتيت وتقسيم دول المنطقة بإشراف وتخطيط الكيان الصهيوني، وهو ما تجلى واضحاً في اليمن والصومال والسودان.
مهما كانت نتيجة هذا العدوان، ستضع الحرب أوزارها، وحينها لا بد من استكمال ما بدأته القوى الإقليمية الأهم؛ مصر، السعودية، تركيا، باكستان، وهو بناء تحالف يعمل على التئام الإقليم، وتضميد جراحه باحتواء إيران المهزومة أو الصامدة، والمساعدة على إعادة بنائها وإعمارها لتكون شريكاً في حماية أمن الإقليم، وإعادة هيكلة اقتصادياته ونظامه الأمني بمنأى عن الولايات المتحدة، التي أثبتت مجريات الأحداث وتداعيات العدوان أنها غير جديرة بالثقة.
وأد الفتنة السنية - الشيعية، ومحاربة النزعات الطائفية أمنياً وسياسياً وفكرياً يوازي في أهميته بناء تحالف إقليمي اقتصادي وسياسي وعسكري، فلا إمكانية للتفكير في هذا التحالف ولا ضمان لاستدامته طالما استمرت بذور هذه الفتنة موجودة، وأول خطوة في هذا الشأن إنهاء دعم إيران للجماعات المسلحة الشيعية في العراق ولبنان واليمن، والعمل على دمجها ككيانات سياسية مع باقي المكونات المجتمعية تحت مظلة الدولة المركزية.
مسرح العمليات العسكرية للعدوان على إيران، جارتنا وشريكنا التاريخي، كشف للرأي العام عن الطابور الخامس، الذي ينهش بشراسة في جسد الشرق الأوسط وأمنه القومي لصالح مشروع الكيان الصهيوني التوسعي. إلى جانب الجماعات السلفية، التي تعمل طوال الوقت على إذكاء حرائق الفتنة الطائفية والمذهبية بين المسلمين والمسلمين، سنة وشيعة، وبينهم وبين المسيحيين، والمرتبطة تقليدياً بأجهزة استخبارات الغرب الصهيوني وأذرعها الإقليمية، ظهر ما يمكن تسميته بتيار العلمانية الوظيفية بخطاب يبدو مختلفاً في شكله عن الخطاب السلفي، لكنه يتفق معه في المضمون والهدف، فمصدر التمويل والتوجيه واحد.
العلمانية الوظيفية دعمت العدوان على إيران باعتبار نظامها السياسي دينياً، وإسقاطه ضرورة لإنقاذ الشرق الأوسط من خطر انتشار عدوى الدولة الدينية، فيما دافعت، ودون استحياء، عن المشروع الصهيوني، معتبرة أن الكيان لا يمثل خطراً على الأمن القومي لشعوب المنطقة، منذ توقيع اتفاق كامب ديفيد للسلام.
الأخطر أنهم استغلوا ورقة الاعتداءات الإيرانية على أهداف بمنطقة الخليج لخلط المفاهيم وإحداث التباس في المواقف، متجاهلين التوسع الاستعماري لجيش الاحتلال في سوريا ولبنان، علاوة على جرائمه المستمرة في فلسطين المحتلة.
وباتوا يتهمون الداعمين للضربات الإيرانية ضد الكيان الصهيوني بالمراهقة، متجاهلين رفض الرأي العام العربي والمصري ضرب إيران أهدافاً مدنية في الخليج لا يتم استخدامها لدعم العدوان الأمريكي - الصهيوني على إيران، بنفس درجة رفضه الاعتداء على الدولة الإيرانية.
هذا التيار ارتبط تقليدياً بمؤسسات تمويل غرب صهيونية، وبالطبع لا يمكن اتهامه بالجهل أو عدم القدرة على صياغة موقف صحيح، لأنه يمثل جانباً من النخبة الثقافية والسياسية.
موقف الرأي العام المصري كان الأكثر وعياً ونزاهة واتساقاً مع فهمه العميق للمشروع الصهيوني، الذي رفض الاندماج مع محيطه الإقليمي بالاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، ويصر بوقاحة على تغيير خريطة الشرق الأوسط بالقوة العسكرية، طبقاً لتصريحات مجرم الحرب بنيامين نتنياهو.
المصريون يدركون بفطرتهم زيف الصراعات الدينية المذهبية، بل ويعون أن الصراع مع الكيان الصهيوني ليس حرباً بين الإسلام واليهودية، وإنما صراع من أجل السلام العادل الشامل وضد كيان استيطاني توسعي.
(بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر الكامن فيها لا تجعل لمصر حاجة عند لئيم)، هذا الدعاء رد فعل شعبي تلقائي نابع من أمة صنعت التاريخ والحضارة، تم استدعاؤه من التاريخ بذكاء المصري العادي ليقول إن الإسلام ليس فيه سني ولا شيعي، بذلك المعنى الحاد والمتطرف، الذي أطال عمر فتنة دموية لأكثر من 1400 سنة.
المصريون يدركون بفطرتهم أن العدوان الأمريكي - الصهيوني هو السبب الرئيسي لتعقيد الصراع، وأن الحل يكمن في وحدة كل أبناء المنطقة تحت مظلة المصالح المشتركة، ودرء الفتن المذهبية، التي أتاحت لمخططات الغرب الصهيوني الفرصة لبث سمومه.
هذا هو ما سماه علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا الدين المصري، المعبر عن الهوية المصرية، فالكل يؤمن بطريقته وفقاً لعقيدته أو مذهبه، وهذا الاختلاف ليس مدعاة للصراع أو التناحر، بل مظهر من مظاهر التنوع والتعدد وقبول الآخر، الراسخ في أعماق المصريين، والذي يظهر تلقائياً في أوقات الشدة.