لكننا نكرر أخطاء الماضي
ألم شديد يسري إلى الكتف، وشعور بعدم الارتياح في التنفس، قادها إلى عيادة «القلب» القريبة من منزلها البسيط في قريتها الريفية شديدة التحضر شديدة الهدوء. وأمام الطبيبة الشابة، والتي بدا أنها لا تزال في بدايات الطريق، جلست المريضة تلتمس الشفاء. فاجأها سعر الكشف والفحوصات؛ الكشف لم يتعدَّ 150 جنيهاً، والفحوصات من أشعة تليفزيونية ورسم قلب لم تزد عن المبلغ نفسه.
شعرت في قرارة نفسها أن «الدنيا لسَّه بخير»، وأن هناك من يتاجر مع الله ويرعى مصالح أهل القرى، والذين رغم يسر حالهم لا يزالون يعتقدون أن الكشف الطبي من المفترض أن يكون أقرب للمجاني. كل هذه المقدمات أفضت إلى نتيجة مختلفة تماماً، وبدلاً من أن تخرج بتفسير للحالة، خرجت بمزيد من الأسئلة والاستفهامات وعِلّة تمددت إلى العقل بعد أن استحوذت على القلب كاملاً.
لم ترفع الطبيبة السماعة الطبية إلى أذنها، ولم تبرح كرسيها.
نظرت إليها بودٍّ مصطنع، وبادرتها بأسئلة لا تمت بصلة إلى التخصص، بداية من طبيعة العمل وصولاً إلى شكل غطاء الرأس -هكذا أسمته- لتوضح للمريضة أن ما ترتديه ليس حجاباً إسلامياً وليس زياً من الأساس، بل هو مجرد خطوة ناقصة على طريق الاحتشام، وربما يكون سبباً في ألم قلبها، بدعوى أن ضميرها حي وأن عدم التزامها يؤرقها، وأن المرض هو جزء من عقاب الله لنا على الأرض، وإلا لما انتشرت الأمراض المستعصية في قوم عرفوا الله حق معرفته.
تحكي الصديقة صدمتها التي عقدت لسانها، ووخز الألم في كتفها الذي ازداد والطبيبة تتحدث. تتذكر الطوابير التي تتجاور في انتظار دورهم في الكشف، وتسأل نفسها: «هل أتوا هنا لتميز طبي أم لمجرد أن الكشف في حدوده المالية الدنيا؟».
بدأ الصدام حين طلبت صديقتي من الطبيبة ما يثبت مؤهلها العلمي؛ فخلال الكشف الذي استغرق 35 دقيقة لم تتحدث فيه الطبيبة مطلقاً عن القلب، تحدثت عن كل شيء. أرجعت حالة القلق وتسارع نبضات القلب إلى التوتر بسبب الخلافات الزوجية، علماً بأن الصديقة لم تفصح لها عن حالتها الاجتماعية، كونها آنسة لم يسبق لها الزواج.
فهالها أن تبرر الطبيبة الحالة بأنها نتاج خلاف زوجي مرجعه الندية التي تقابل بها النساء الآن أزواجهن، وأننا إذا عدنا إلى أصل الحياة وتقاليد مجتمعنا فالزوجة مأمورة أن تنصاع لزوجها وأن تطيعه وأن يكون هو «ربها على الأرض»، بحسب وصف الطبيبة. عند هذا الحد لم تحتمل الصديقة، فتحول الكشف إلى ساحة جدال انتهت بصيحات من عشرات المنتظرين للدخول، كلهم يودون إنهاء الموقف لصالح الطبيبة، ومنطقهم البسيط: «ما عندها حق».
لم تتراجع الصديقة إلا حينما سمعت النصيحة الحانية: «إيه اللي جابك هنا، طالما مش مقتنعة بيها شوفي غيرها»، عندها قررت المغادرة.
وحين رافقتها في رحلتها لطبيب آخر، روت حكايتها له، ليزيدها الطبيب من الشعر أبياتاً، ويفصح عن عشرات القصص والحكايات التي تأتيه من بعض العيادات الخاصة وأخرى تابعة لجمعيات خيرية تفتح أبوابها مقابل جنيهات قليلة، تستقبل عشرات البسطاء وتبث ضمن خدماتها تلك الأفكار التي قضت على الأخضر واليابس، وأعادتنا -كدولة- كرتنا الأولى: «نبني ونحن أولى بالحصاد». استفاض الطبيب -الذي أنهى فحصه للصديقة بمجموعة من العلاجات- في الحكي عن وقائع مماثلة تأتيه من أماكن مختلفة في ربوع مصر، ليؤكد القاعدة التي نغفل عنها في كثير من الأحيان؛ قد نغفل جهالة أو ثقة أو انشغالاً… المهم أننا نغفل حقيقة: «التاريخ لا يعيد نفسه.. لكننا نكرر أخطاء الماضي».
وأخطاء الماضي كثيرة، وكلها تبدأ وتنتهي من النقطة نفسها. تاريخهم يقول هذا، لكننا لا نقرأ التاريخ، بل إن جيلاً وراء جيل لا يعلم النشأة التي قادتهم إلى السجن، ولا التطور الذي قادهم إلى الحكم. يعلم فقط أنهم هاربون، لكنه قد يجهل أنهم يعودون في ثوب جديد، ويتوغلون تحت مسميات مختلفة، ويقتربون من البسطاء بحديث هو أقرب للعلاج النفسي. فإذا ما انكشفت أوراقهم، كان هؤلاء البسطاء خط دفاعهم الأول. لا جريمة مثبتة على الطبيبة، ربما لأن الجرم أكبر؛ كونه لن يسفر عن خطأ طبي، لن تنسى مشرطاً أو تكتب علاجاً له مضاعفات خطيرة تُحال بسببها إلى التأديب أو النيابة العامة. لقد لوّثت وعياً وبثّت سموماً لن تسري في الجسد إلا إذا تأهل المريض، وبالفعل يأتيها المريض مؤهلاً. إنهم يتاجرون مع الله، نسمع العبارة كثيراً، فهل سأل أحدهم بماذا يتاجرون، ومن يتاجرون به؟