أبوبكر باذيب يكتب: شبكة النفوذ الإقليمي لإيران.. نهاية سرديات الفوضى

كتب: محرر

أبوبكر باذيب يكتب: شبكة النفوذ الإقليمي لإيران.. نهاية سرديات الفوضى

أبوبكر باذيب يكتب: شبكة النفوذ الإقليمي لإيران.. نهاية سرديات الفوضى

تفرّدت التجربة الإيرانية منذ نجاح ثورتها في عام 1979 بنموذج فوضى لم يعرفه العالم الحديث أو التاريخ المعاصر للدول، فمنذ اليوم الأول لهبوط طائرة المرشد روح الله الخميني قادمة من باريس، حرصت هذه الثورة على تضمين فكرة التمدّد الثوري في دستورها بشكل عقائدي يتجاوز فكرة النهج، لتسيطر إيمانيات العقيدة على خلق أزمات دائمة في المنطقة العربية والجغرافيا الإيرانية.
تشكل ذلك تحديداً منذ نهاية الحرب العراقية - الإيرانية عام 1988، حيث تبنّت إيران مقاربة استراتيجية تقوم على توسيع نفوذها خارج حدودها المباشرة عبر شبكة من الحلفاء والجماعات المسلحة والسياسية في الدول العربية، عُرفت هذه المقاربة غالباً بسياسة «العمق الاستراتيجي»، وهي تقوم على فكرة أن حماية الأمن القومي الإيراني لا تتحقّق فقط عبر القدرات العسكرية التقليدية داخل الحدود، أو عبر البناء الاستراتيجي للقوة والسيطرة، بل عبر بناء نفوذ سياسي وعسكري غير مباشر في دول الجوار، وباستغلال مظلوميات طائفية للأقلية تبدو مُقنعة لأول وهلة.
وعملت إيران عبر نظام ثابت ومتناغم على قراءة تباينات هذه الأقليات وإمكانيات التأثير والوجود ثم العبث، إلى أن تمكنت من بسط سيطرتها بقوة خشنة على مسار القرار السيادي في أربع عواصم عربية، لم يكن لسيادتها أو حقوق شعوبها أي اعتبار في هذا النهج، رافقه بالضرورة رفع شعارات حقيقية لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي وتحرير القدس، وهي شعارات لاقت صدى واسعاً في العالم العربي، وأثارت حالة كبيرة من التعاطف الشعبي.
وقد تعزّز هذا التعاطف بما تحقّق من إنجازات عسكرية على الأرض، لكن مع مرور الوقت، خصوصاً بعد أحداث الربيع العربي، بدأ المشهد يتغيّر تدريجياً. فبدلاً من أن يبقى التركيز محصوراً في مواجهة الاحتلال، ظهرت لدى بعض الأطراف نزعة إلى توسيع النفوذ والتدخّل في الشئون الداخلية لدول أخرى، وقد أدى ذلك إلى تحول في النظرة التي كانت سائدة سابقاً، إذ أصبح الدور الإقليمي لهذه القوى محل جدل واسع، بين من يراه امتداداً لدور المقاومة ومن يعتبره تدخّلاً في السيادة الوطنية للدول، وكان النموذج الأبرز له تدخلات حزب الله في سوريا.
مثّلت هذه التداعيات مجتمعة ما يشبه شبكة نفوذ إقليمي لإيران، وهي شبكة تمكنت من توسيع حضورها وبسط تأثيرها في أكثر من ساحة في المنطقة، ولم يقتصر هذا التأثير على الداخل الإيراني أو على علاقاتها المباشرة مع الدول المجاورة، بل امتد ليشمل جغرافيات عربية مُتعدّدة، مما أثار جدلاً واسعاً حول حدود السيادة الوطنية وطبيعة التوازنات الإقليمية، ومع تصاعد هذا الدور، باتت بعض التحرّكات المرتبطة بهذه الشبكة تُقرأ على أنها مصدر قلق يتجاوز الإطار المحلي أو الإقليمي الضيق، لتلامس قضايا أمنية أوسع تتعلق باستقرار المنطقة، وأمن الممرات المائية الدولية، ومصالح الدول الخليجية والدول المطلة على البحر الأحمر، في ظل مخاوف من أن يؤدي استمرار هذا المسار إلى حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار في النظام الإقليمي.
إن شبكة النفوذ الإقليمية التي عملت إيران على بنائها ونسجها طوال أكثر من خمسة وعشرين عاماً، عبر مزيج من الروابط السياسية والعقائدية والطائفية، شكّلت إحدى أبرز أدوات حضورها وتأثيرها في المنطقة، فقد اعتمدت «طهران» خلال تلك السنوات على منظومة من الحلفاء والأذرع المحلية في عدة دول عربية، مما أتاح لها بناء ما يشبه طوق نفوذ إقليمي يُحقّق لها قدراً من التأثير السياسي والعسكري خارج حدودها المباشرة.
غير أن هذه الشبكة دخلت منعطفاً حاسماً في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر، وهو التطور الذي دفع إسرائيل إلى تبني مقاربة أكثر حدّة في التعامل مع امتدادات النفوذ الإيراني في المنطقة، فقد اتّجهت إسرائيل إلى استهداف هذه الأذرع بشكل مباشر، في محاولة لإضعافها أو تحييدها، الأمر الذي انعكس في ضرب قيادات بارزة في حزب الله في لبنان، وتراجع أدوار بعض المجموعات المسلحة في العراق، إضافة إلى التحولات الكبيرة التي شهدتها الساحة السورية بعد سقوط النظام هناك.
وبذلك تبدو المعادلة التي اعتمدت عليها إيران لفترة طويلة -والمتمثلة في بناء «خط دفاع أمامي» عبر هذه الأذرع- وكأنها تواجه اختباراً صعباً، فبعد أن كانت تلك الشبكة تشكّل حاجزاً يبعد المواجهة المباشرة عن إيران، أصبحت «طهران» أكثر عرضة للضغوط والاستهداف المباشر. كما أن البعد الجغرافي، الذي كان يمنح بعض هذه الأذرع قدرة على التأثير في الممرات الحيوية مثل البحر الأحمر عبر الحوثيين، لم يعد بالفاعلية ذاتها، في ظل التحولات المتسارعة التي تعيد رسم خريطة التوازنات في المنطقة.
في المحصلة، فإن شبكة النفوذ الإقليمي التي عملت إيران على بنائها على مدى سنوات طويلة لم تُبنَ -في نظر كثيرين في المنطقة- على أسس تراعي مبدأ حُسن الجوار أو احترام سيادة الدول، فقد ارتبط هذا النفوذ في أكثر من ساحة بمحاولات التأثير في القرار السيادي لبعض الدول العربية، وكانت المملكة العربية السعودية في مقدّمة الدول التي شعرت بتأثيرات هذه الشبكة، إذ رأت «الرياض» أن بعض هذه الأذرع الإقليمية عملت على تهديد أمنها واستقرارها من أكثر من اتجاه جغرافي، وهو ما جعل المملكة تتعامل مع هذا النفوذ باعتباره عامل ضغط مباشر على أمنها القومي وعمقها الاستراتيجي.
يبدو أن إيران تواجه اليوم ضغوطاً غير مسبوقة، ويمكن وصفها بالوجودية، فتصفية المرشد الأعلى ليست بالحدث الهيّن لمسار الدولة الثيوقراطية في إيران، لهذا تبدو شبكة الأذرع الإقليمية التي اعتمدت عليها إيران طوال السنوات الماضية أمام مرحلة فاصلة، فالضغوط على الفصائل المسلحة في العراق أصبحت أكثر وضوحاً، كما يواجه حزب الله في لبنان تحديات سياسية وأمنية متزايدة، في حين أن المساحة الجغرافية التي كانت توفرها الساحة السورية كعمق استراتيجي لم تعد متاحة. أما النموذج الحوثي في اليمن فيبدو بدوره أكثر تشتّتاً وتعقيداً في ظل الضغوط الإقليمية والدولية، مما قد يجعل قدرة هذه الأذرع على التنسيق أو أداء أدوارها السابقة أكثر محدودية أو معدومة.