حمل خارج الرحم الوطني

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

دائماً أتصور حزب الله تصوراً طبياً، أتصوره كحمل خارج الرحم، نشأ نطفة لكنها لم تلتصق بجدار الرحم الوطني اللبناني، المفروض طبياً أن يُلفظ هذا النوع من الحمل وإلا يحدث النزيف، فالجنين مشوه منذ البداية، ولا ينفع معه رحم صناعي، أو حضّانة زجاجية مثل الصوبة، لأن النطفة الطفيلية لا تتشكل جنيناً ثم وليداً سليماً.

ما حكاية نشأة هذا الحزب الذي ما زال يمثل صداعاً مزمنأ للدولة ولمفهوم الوطن؟ لم يولد حزب الله فجأة من فراغ، بل خرج نتاج لحظة تاريخية مشحونة بالتوترات والتحولات الكبرى في الشرق الأوسط، ولفهم نشأته، علينا العودة إلى نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، حيث تلاقت ثلاثة مسارات صنعت «الفكرة» قبل أن تتحول إلى تنظيم: الثورة، الاحتلال، والفراغ القيادي، كانت الشرارة الأولى مع الثورة الإيرانية التي لم تكن مجرد تغيير نظام سياسي، بل كانت طرحاً أيديولوجياً جديداً يقوم على «ولاية الفقيه»، ويمنح رجال الدين دور القيادة السياسية، هذا النموذج ألهم قطاعات من الشيعة خارج إيران، خصوصاً في لبنان، حيث كانت الطائفة تعاني تاريخياً من التهميش السياسي والاقتصادي، ثم جاء الحدث المفصلي، الاجتياح الإسرائيلي للبنان 1982، لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل كان زلزالاً أعاد تشكيل الجنوب اللبناني.

الاحتلال خلق حالة من الغضب والفراغ الأمني، وفتح الباب أمام قوى جديدة تتبنى خيار المقاومة المسلحة. في هذا المناخ، أرسلت إيران عناصر من الحرس الثوري إلى البقاع، حيث بدأت عملية تدريب وتوحيد مجموعات شيعية صغيرة، بعضها كان منشقاً عن حركة أمل، وهنا يبرز السؤال: لماذا لم تكن حركة أمل كافية لتمثيل الشيعة؟ الإجابة تكمن في الفارق بين «الهوية السياسية» و«الهوية الأيديولوجية»، حركة أمل، أسسها موسى الصدر، والتي كانت حركة وطنية لبنانية تسعى لتحسين أوضاع الشيعة داخل الدولة، لا لتغيير طبيعة النظام أو تصدير نموذج ديني ثوري، بعد اختفاء «الصدر» مالت الحركة إلى البراغماتية السياسية، وأحياناً إلى التسويات، في المقابل، حمل حزب الله مشروعاً مختلفاً جذرياً، فهو تنظيم عقائدي يؤمن بأن المقاومة ليست خياراً مرحلياً بل هوية دائمة، وأن المرجعية النهائية ليست الدولة اللبنانية، بل الولي الفقيه في إيران، لذلك، لم يكن حزب الله مجرد امتداد لـ«أمل»، بل كان «انشقاقاً فكرياً» عنها، تجسد لاحقاً في صدامات دامية بين الطرفين خلال الثمانينات، أما عن علاقته بإيران، فهي ليست تفصيلاً ثانوياً بل جزء من الحمض النووي للتنظيم.

منذ بدايته، تلقى الحزب دعماً مالياً وعسكرياً وتدريبياً من الحرس الثوري، وأعلن التزامه العقائدي بقيادة الخميني. ومع ذلك، لم يتحول إلى مجرد أداة، بل تطور ليصبح لاعباً لبنانياً له حساباته الداخلية وقاعدته الشعبية، ما منحه هامشاً من الاستقلال التكتيكي داخل إطار تحالف استراتيجي مع طهران، هكذا، وُلد حزب الله من فكرة، فكرة أن الطائفة يمكن أن تتحول من الهامش إلى الفعل، ومن الضحية إلى الفاعل. وبين أيديولوجيا الثورة وواقع الدولة، شق طريقه ليصبح أحد أكثر الفاعلين تأثيراً في معادلة الشرق الأوسط، حيث تختلط المقاومة بالسياسة، والدين بالجغرافيا، والتحالفات بالعقيدة، فهل سيظل الحمل خارج الرحم ينمو ضد كل البديهيات الفسيولوجية الوطنية!.