السيد شحتة يكتب: «اليورانيوم المخصب» ورقة إيران القوية على طاولة التفاوض
السيد شحتة يكتب: «اليورانيوم المخصب» ورقة إيران القوية على طاولة التفاوض
أخيراً توقفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بعد تبادل إعلان الأطراف الثلاثة انتصارها، رغم الخسائر الفادحة التي مُني بها الجميع والهزات الكبيرة التي أصابت الاقتصاد العالمي. مع بداية المفاوضات المباشرة بين واشنطن وطهران، يحبس الملايين حول العالم أنفاسهم انتظاراً لما ستؤول إليه الأمور في نهاية المطاف، وهل سنكون أمام نهاية دائمة للحرب أم مجرد هدنة مؤقتة لالتقاط الأنفاس.
ورقة البرنامج النووي، الذي أعلن «ترامب» بسببه الحرب على إيران، ستكون الأصعب خلال المفاوضات الأمريكية الإيرانية، خاصة في ظل بقاء مخزونات اليورانيوم المخصب في الداخل الإيراني كما هي، وفشل ما تردد حول عملية خاصة للقوات الأمريكية من أجل الاستيلاء عليها. ورغم اتفاق وقف إطلاق النار، فإن احتمالات التصعيد تبقى واردة، خاصة في ظل الصراع بين أمريكا وإيران منذ قيام الثورة الإسلامية في عام 1979 وانهيار التحالف القديم بينهما في عهد الشاه.
محاولة فهم أبعاد الأزمة النووية الإيرانية الداخلية والخارجية، والظلال التي ستلقي بها على المفاوضات المباشرة بين أمريكا وإيران، لا يمكن أن تتم إلا عبر التفتيش في الوثائق وتفكيك كثير من الأوراق التي تعمدت جهات كثيرة خلطها، وهو ما يفيد كثيراً في استشراف مستقبل المنطقة.
الحقيقة الأولى أنه حتى بعد الحرب المدمِّرة التي استمرت أكثر من شهر، فإنه من الصعب أن يخرج أحد ويقول إن الأزمة النووية الإيرانية انتهت للأبد، والسبب في ذلك هو الطريقة التي يفكر بها الإيرانيون أنفسهم في الأمر، وجعلتهم لعقود طويلة مستعدين لخسارة العالم بأكمله دون أن يتراجعوا عن استكمال برنامجهم النووي.
يشير تحليل خطاب الداخل الإيراني بوضوح إلى أن اللعب على وتر الفخر الوطني للإيرانيين والترويج لأن بلادهم أصبحت واحدة من القوى العظمى كان سبباً رئيسياً في الإصرار على التمسك بالبرنامج النووي، بحسب ما يؤكده كتاب مهم يمكن أن يساعدنا كثيراً في فهم إيران من الداخل، وهو «البرنامج النووي الإيراني.. تحليل البعدين الداخلي والخارجي» للدكتور ستار جبار علاي، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بجامعة بغداد، الصادر عن دار نشر العربي للنشر والتوزيع.
منذ سنوات طويلة تشعر إيران، بحسب دراسة الباحث العراقي، بأنها تتعرض لمحاولات فرض وصاية دولية عليها في مساعٍ لتقويض طموحها في لعب دور محوري في الشرق الأوسط، لذا سعت عبر التمسك بالبرنامج النووي لتأكيد قدرتها على مجابهة ضغوط القوى الكبرى.
تطور البرنامج النووي الإيراني أثار مخاوف واسعة لدى مراكز أبحاث دولية من حقيقة أهداف إيران من بناء محطات طاقة نووية رغم المخزون الكبير الذي تمتلكه من النفط والغاز، وهل كانت تهدف في مرحلة لاحقة لامتلاك القنبلة النووية مثل باكستان وإسرائيل؟ هنا يجب الإشارة إلى التباين الحاد في مواقف القوى الكبرى تجاه طموحات إيران النووية خلال مرحلتي الشاه والثورة الإسلامية، وهو ما يكشف عن أن القلق الغربي يعود في جزء كبير منه إلى طبيعة النظام الحاكم في إيران. المصالح تحكم الولاء والعداء في السياسة وليس أي شيء آخر، ففي الوقت الذي لعبت الشركات الألمانية بدعم أمريكي دوراً كبيراً في مساعدة إيران في برنامجها النووي في عهد الشاه، قادت الولايات المتحدة بعد الثورة الإسلامية عام 1979 تحركات مكثفة لعرقلة مشاريع طهران النووية.
قصة البرنامج النووي الإيراني حافلة بالمفارقات والتناقضات التي لا تُصدق، والغريب أن تل أبيب التي ضغطت بكل قوة على «ترامب» من أجل شن الحرب الأخيرة على إيران، وقادت قصف منشآتها النووية، كان بينها وبين طهران تعاون وثيق في هذا الصدد؛ ففي عام 1960 بدأ برنامج نووي مشترك بين إيران وإسرائيل عُرف باسم «الزهرة». الولايات المتحدة هي الأخرى لعبت دوراً في تعزيز تقدم البرنامج النووي الإيراني في بداياته، في 1970 حصل الشاه على مفاعل نووي من الولايات المتحدة من طراز Typepool، كما كشفت وثيقة سرية أمريكية حول النزاع النووي الإيراني-الأمريكي أن واشنطن قامت في السبعينات بتغطية تكاليف النفط الذي اشترته من إيران من خلال مشاركة الشركات الأمريكية في مشاريع الطاقة النووية الإيرانية، وقبل شهور قليلة من الثورة الإسلامية تم توقيع اتفاق بين الطرفين للبحث عن مخزونات اليورانيوم.
بحسب كتاب «البرنامج النووي الإيراني»، فإن طهران كانت في طليعة الجهود الرامية لمنع الانتشار النووي؛ حيث وقّعت مبكراً على اتفاقية الضمانات النووية الخاصة بوكالة الطاقة الذرية.
لكن الواقع ضربة قوية أصابت البرنامج النووي الإيراني؛ إذ أصيب بالشلل عقب قيام الثورة الإسلامية في عام 1979 بسبب القناعة بعدم جدواه الاقتصادية في ظل تكلفته الباهظة، قبل أن يُعاد إحياؤه عام 1984، وجاءت الانطلاقة القوية له عام 1988 وتحديداً عقب انتهاء الحرب العراقية الإيرانية؛ وسعت طهران خلال تلك الفترة للاستفادة من انهيار الاتحاد السوفيتي ومن التقنية النووية في باكستان.
في التسعينات شهد البرنامج النووي الإيراني تطوراً كبيراً في ظل تكثيف التعاون مع روسيا والصين، وشراء طهران مفاعلات نووية كبيرة الحجم، كما تسارعت جهود بناء محطة بوشهر التي تعد مركز البرنامج النووي الإيراني. مع استعراض قصة البرنامج النووي الإيراني ومراحل تطوره يتبادر سؤال مهم: هل كان البرنامج النووي فخاً نُصب لإيران منذ بداية عهد الشاه من أجل استنزاف قدراتها المالية المتراكمة خاصة مع القفزات في أسعار النفط؟ وهل الهدف من جرها للحلم النووي إدخالها في طريق يتطلب الكثير من الأموال ويجعلها في حاجة دائمة للخبرات الغربية؟ لا يستبعد الباحث العراقي ذلك في كتابه، بل إنه يلمح إليه صراحة. أُصيب البرنامج النووي الإيراني بالجمود عقب قيام الثورة الإسلامية في ظل قناعة من «الخميني» بأن إيران ليست بحاجة للطاقة الذرية، وليس عليها أن تبدد أموالها في شرائها، قبل أن تعود طهران بعد ذلك بسنوات لإحيائه.
في فبراير 2006 أشار تقرير لجيمس ريسن في صحيفة نيويورك تايمز إلى أن الولايات المتحدة اكتشفت عملية اسمها الرمزي «ميرلين» تهدف إلى أن توفر لإيران نموذجاً كاملاً لصنع الأسلحة النووية، وفي عام 2013 أنتجت إيران 324 كجم من اليورانيوم المخصب بما يكفي لصنع قنبلة نووية إذا تمت تنقيته إلى درجة أعلى، لكن إيران ظلت على الدوام تؤكد سلمية نشاطاتها النووية وترفض التراجع عن التخصيب، فيما تذهب تقديرات داخلية إلى أن إيران استثمرت مبالغ طائلة في مجال تخصيب اليورانيوم دون جدوى اقتصادية حقيقية، وأن الأمر تحول إلى ورقة لكسب المشروعية السياسية في ظل أزمات كثيرة يعاني منها النظام الحاكم.
بالنسبة لدول الخليج فإن مخاوفها لم تكن بالأساس من تحول البرنامج النووي من سلمي إلى عسكري، وإنما من تطوير القدرات النووية على حدودها بما يجعلها دائماً في دائرة الخطر، ودفع الخليج العربي ثمناً فادحاً للمأزق الذي وضعته فيه الجغرافيا عندما وجد نفسه في مرمى هجمات المسيّرات والصواريخ الإيرانية. داخلياً، أصبحت القضية النووية برنامجاً ذا بُعد سياسي بالغ الأهمية في إطار الترويج لإيران بوصفها قوة إقليمية مؤثرة خاصة في ظل التفكك العربي، ولهذا جاءت خطابات المرشد الراحل آية الله خامنئي لتؤكد أن الطاقة النووية ضرورة لا يمكن تجاهلها من أجل مستقبل البلاد.
مستقبل البرنامج النووي الإيراني من الصعب الحديث عن حسمه سريعاً بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية في ظل التناقضات الداخلية بين مؤسسات النظام السياسي، خاصة بين الرئاسة والحرس الثوري الذي هيمن على القرار في زمن الحرب.
لسنوات طويلة استخدم البرنامج النووي في استثارة الحس القومي للإيرانيين وأداة لدعم النظام السياسي، لكن التعقيدات التي تحيط بالبرنامج النووي الإيراني والصراع الممتد بين طهران وواشنطن طوال السنوات الماضية كلها تؤكد أن حسم ملف اليورانيوم المخصب لن يكون أمراً سهلاً في المفاوضات المرتقبة بين الجانبين.