التاريخ السري والمنسي (1)
مهما بحث المؤرخون في مصادر مكتوبة، تصف ما جرى، أو وثائق محفوظة باردة، دوَّنها موظفون مثقلون بأعباء وظائفهم، ومخبرون يقظون يراقبون كل شيء، وساسة يتوزّعون على مقياس العجلة بين متسرع وسائر على مهل ومتعثر ومتأنٍّ، فإن هناك ثغرة تبقى، أو فراغاً يقوم، في كل ما يتركونه من تأريخ أو تسجيل أو رصد.
إن هذا النبض الفائر الغض، الذي لا يمكن أن يحيا إلا بأقلام وألسنة أولئك الذين صعدوا إلى التاريخ من أسفل، فرأوا ما يجري في المناطق الخلفية، والهوامش المنسية.
إن المؤرخين يرون الكليات في الغالب الأعم، إلا أن اعتنى أحدهم بالحفر في مسألة فرعية، ولذا فإن وصلت إليهم تفاصيل صغيرة تحملها أوراق إدارية قدّمتها جهات سياسية محدودة أو استخباراتية، فإنهم لا يهملونها بالقطع، لكنها تظل معلومات باردة، لا تنبض بالحياة التي تسري في أقلام الذين صنعوا الأحداث، وأضافوا إلى الوقائع المتوالية.
إن كل التأريخ يعاني من فراغ إن اقتصر على تسجيل يوميات الطبقة العليا من أهل الحكم، أو انصرف إلى تصوير كلي لما مرّت به المؤسسات الرسمية، تنفيذية وتشريعية وقضائية، دون التفات إلى الأشخاص الذين أسهموا في صناعة كل هذا، ولو من بعيد. بل إن بعض هؤلاء تكون لديهم إفادات لا يمكن أن ترد في الوثائق، أو في ما تنشره الصحف، والذي يُعد مصدراً للتأريخ على أي حال.
نحن هنا لا نتحدث عن تاريخ سياسي واجتماعي بمعناه الواسع، لا بد من أن تُترك فيه فراغات لا يملؤها إلا التخيّل، مهما رصد المؤرخون من أوراق تحمل الوقائع والأحداث التي يعتقدون أنها كل ما جرى، إنما نتحدث عن تاريخ آخر، من لحم ودم، صنعه أولئك الذين مروا سريعاً، أو توقفوا قليلاً، أو تأملوا ملياً، أو رأوا عن كثب الظواهر السياسية، وأعلاها كل ما يتعلق بالسلطة، دون أن يكونوا ضالعين في القرار، وإنما كانوا دارسين له، أو ناقدين، أو قادحين، أو يحاولون أن يصنعوا جسراً يصل الناس، ولو قليلاً، بما يخفى عليهم من خلفيات القرارات والإجراءات والقوانين التي يتم سنها، دون أن تحظى، لوقت كافٍ، بحوار مجتمعي، أو تدرس على نحو دقيق داخل اللجان المتخصّصة في البرلمانات، أو داخل المؤسسات التابعة للسلطة التنفيذية أو من بين أولئك الذين يتولون المناصب العليا في الإدارات الحيوية للدولة.
إن الفراغات، أو الجوانب المنسية، من التاريخ كثيرة، وحين يتقادم بها الزمن يصبح من الصعب ملؤها، نظراً لأن الوثائق نفسها، ليس بوسعها أن تنبئ بكل شيء، حتى لو كان المحتفظون بها يزعمون أنها قد تابعت كل شاردة وواردة. فهي، في حدّها الأقصى، يمكن أن ترسم الملامح العامة لما حدث، لكن الكثير من التفاصيل تسقط منها، وإن حضرت فإن أغلبها يكون افتعالاً أو تخميناً أو تحليلاً.
لأجل هذا علينا أن نأخذ على محمل الجد والترحاب أي مذكرات أو يوميات أو شهادات يكتبها أولئك الذين لعبوا أدواراً سياسية جانبية أو محدّدة في وقت من الأوقات، لاسيما إن ابتعدوا في ما بعد، وصار بوسعهم أن يروا ما فعلوه وما شغلوه وانشغلوا به من بعيد، بصفاء ذهن، وتجرد نسبي، لا يُتاح لأولئك الذين يستمرون غارقين في الممارسة السياسية بلا توقف، وقد يقفز بعضهم من سفينة إلى أخرى، أو من حبل إلى آخر، ويكون عليه، طوال الوقت، أن يطمس الكثير مما فعل، ويخفي أكثر ما يعرف، حتى يستمر على قيد السياسة، بتقلباتها وفوراتها التي لا تهدأ.