جنازة جديدة لعماد حمدي
هذه رواية جديدة أهداني إياها المهندس إبراهيم المعلم، صاحب دار الشروق، منذ سنواتٍ مضت، وتبدأ بإهداء مثير للدهشة والاهتمام، حيث يكتب المؤلف إلى المسجلين خطر: تصحبكم السلامة.
والمؤلف كاتب مصري يرأس المنظمة العربية للمقاهي، وهذه أول مرة أقرأ عن هذه المنظمة، وهو عضو اتحاد المقاهي العالمي، صدرت له من قبل أربع روايات هي: ألعاب الهوى، أحمر خفيف، باب الليل، وحذاء فلليني، كما صدرت له في نفس الوقت ثلاث مجموعات قصصية، الأولى: خلف النهار بقليل، والثانية: كما يليق برجل قصير، والثالثة: مائة غمزة بالعين اليسري.
وهذه الرواية فيها حالة من المزج الفني الجميل بين نزق مُسجِل خطر ولمسة فنان، حيث يأخذ المؤلف وحيد الطويلة القارئ معه إلى داخل الرواية، لا يكتفي بكونه شاهداً على الأحداث، وإنما يمتد تفاعل القارئ إلى اختيار عنوان الرواية مع الكاتب، وهو يدعوه لعذوبتها لعنونتها كما يشاء حين ينتهي من متعة القراءة.
إن هذه الرواية تطرح على القارئ كما طرحت عليَّ أسئلة كثيرة تدور حول الضابط، الذي يواجه الإجرام والفساد معاً ولا تضايقه كآبتهما بقدر ما يضايقه سجنه الداخلي وعذابه بين ميوله الفنية وبين إجبار أبيه له على الالتحاق بإحدى الكليات، بينما تبحث روحه عن حريتها وسط عالم مليء بالجريمة والحب والفن.
وهذا الكاتب يشرك القارئ معه في كل شيء، لدرجة أن الصفحة الأخيرة من الرواية فيها عناوين أخرى لها، ويكتب المؤلف:
يمكن لك عزيزي القارئ إذا أعجبتك الرواية أن تطلب نسخة بالعنوان الذي أحببته، وذلك بعد مرور عام على صدور الطبعة الأولى، وهناك عناوين أخرى كثيرة يقترحها لرواياته لعل آخرها أجملها وهو صخرة ليلى مراد.
إن هذا الازدهار الروائي في مصر الآن ومثله في الوطن العربي الشقيق مثيرٌ وجميل، فرغم أن المجتمع العربي لم يعرف الاستقرار طوال السنوات الماضية، والاستقرار كلمة السر من أجل كتابة نص روائي جميل، هكذا عرفنا مع النص الروائي منذ سنوات طويلة، وهذه النهضة الروائية لا تمنع الروائيين المصريين والأشقاء الروائيين العرب من التجريب ومحاولة طرح الأسئلة الكبرى على النص الروائي.
طبعاً لن أتوقف طويلاً أمام الفنان عماد حمدي الذي احتل عنوان هذه الرواية، فنحن جيل تربى على أعماله الفنية واجتهاداته في الأفلام التي قدمها، وهي أكثر من أن تحصي أو تعد، ولكن استخدام هذا الفنان في العمل كان مهماً وكان موفقاً، ففي أعطاف العمل نتوقف أمام رواية نجيب محفوظ: ثرثرة فوق النيل، ويظهر أمامنا الرئيس الأسبق أنور السادات والمخرج السينمائي الجميل صلاح أبوسيف، وأم كلثوم، وعبدالحليم حافظ، وبعد عدد من الصفحات يفاجئنا شعبان عبدالرحيم.
هكذا يصدر المؤلف روايته بعبارة للروائية العالمية فيرجينيا وولف، تقول فيها:
كم مرة استعمل الناس القلم أو الفرشاة لأنهم لم يستطيعوا ضغط الزناد.
وهو تعبير جميل وبديع يضع الكتابة في سياقها غير العادي، كما أن المؤلف يخصص الصفحات الخمس الأخيرة للمقاهي التي كتب فيها روايته، ويحددها بالاسم والمكان، وهما مقهيان في القاهرة على أطراف المدينة، ومقهيان في الإسكندرية، كما أن الصفحة الأخيرة من الرواية فيها عناوين أخرى مقترحة لها غير العنوان الذي نُشرت به، وهذا يحدث لأول مرة من روائي أن يقدم عناوين أخرى لرواية نشرها بعنوان اختارها له بنفسه، إن هذا السلوك يمثل أعلى درجات الإبداع.
إن هذه الرواية صدرت منذ سنوات ولا أعرف إن كان المؤلف قد أصدر بعدها أعمالاً جديدة، فهو روائي متمكن من أدواته ومن قدراته الفنية بطريقة غير عادية، أم شغلته أمور أخرى عن كتابة روايات جديدة، إن فن الرواية هو الفن الأول الراهن في مصر الآن، رغم أن هذا النص الجميل والذي أمتعني كثيراً جداً مكتوب منذ سنوات.
تحية لدار الشروق وللمهندس الصديق إبراهيم المعلم على ما تمتعنا به من أعمال أدبية جديدة ومهمة، تؤكد لمصر دورها الثقافي العظيم الذي امتازت به على مر السنوات كلها.