القصة الكاملة لرحيل «بسنت».. ضغوط قاسية وصرخة أخيرة قبل النهاية
القصة الكاملة لرحيل «بسنت».. ضغوط قاسية وصرخة أخيرة قبل النهاية
كتب: محمود الجارحي وأمنية سعيد
واقعة أليمة ومأساوية شهدتها منطقة سموحة التابعة لمحافظة الإسكندرية، بعدما أقدمت سيدة تدعى (بسنت س) على إنهاء حياتها بإلقاء نفسها من شرفة شقتها الواقعة بالطابق الـ13، تلك اللحظات الصادمة وثّقتها الراحلة في مقطع فيديو عبر البث المباشر على صفحتها الشخصية على «فيسبوك» أمام مرأى ومسمع من الجميع، لكن سرعان ما حُذف الفيديو بعد دقائق من وفاتها.
آخر كلمات بسنت سليمان قبل وفاتها
وخلال الدقائق القليلة التي سبقت وقوع المأساة، ظهرت الراحلة (بسنت س) في بثٍ مباشر، تتحدث بمرارةٍ عن تعرضها لضغوط نفسية حادة وأعباء مادية ثقيلة، إضافة إلى وجود خلافات أسرية بينها وطليقها، بعدما سيطر عليها القلق تجاه مستقبل طفلتيها، موجهة رسالة مؤثرة ومحملة بالوصايا بضرورة الرعاية والاهتمام بهما، قبل أن تختتم حديثها بكلمات مؤثرة جسدت شعورها القاتل بالوحدة وافتقاد السند والدعم في محنتها.
وأثارت الواقعة حالة من الذهول والصدمة الكبيرة بين مستخدمي منصّات التواصل الذين تفاعلوا مع البث، حيث تابع المئات منهم المشهد لحظة بلحظة وسط تساؤلات ومحاولات لفهم حقيقة ما يجري، إلى أن تأكدت الفاجعة بوقوع الحادث فعليًا، وعند مراجعة حساباتها الشخصية، تبين أنّها كانت قد مهدت للواقعة بنشر رسالة قصيرة تطلب فيها بوضوح الاهتمام بطفليها، بجانب محتوى سابق كان يكشف عن تدهور حالتها النفسية، من بينه مقطع فيديو قديم يجمعها بوالدها الراحل.
وفي منشور استباقي كتبته عبر صفحتها قبل أيام من رحيلها، كشفت (بسنت) عن تفاصيل معاناة مريرة وطويلة خاضتها بمفردها، متحدثة عما وصفته بـ«القسوة والافتراء وأكل الحقوق» من قبل المحيطين بها سواء من الأقارب أو الغرباء، مؤكدة أنّها واجهت لسنوات طوال تحديات قاسية دون أن تجد يدًا تمتد لها بالدعم أو المساندة.
وأوضحت (بسنت ) أنّها وجدت نفسها أمام مسؤوليات جسيمة بعد رحيل والدها، حيث تنقلت في تجارب مريرة بين المحاكم المستشفيات، وعكفت على تربية ابنتيها بمفردها تمامًا، في الوقت الذي كافحت فيه لاستكمال دراستها الجامعية رغم كل العقبات الظروف المحيطة، مشددة على أنها ضحت بالكثير من راحتها وصحتها في سبيل تأمين حياة كريمة لأسرتها الصغيرة.

واستطردت في حديثها عن سلسلة من الأزمات المتلاحقة التي عصفت بحياتها، بدءًا من الخسائر المادية والصحية وصولًا إلى تعرض منزلها لحريق، ورغم ذلك كانت تؤكد دومًا على قدرتها على النهوض من جديد ومواجهة الصعاب، وفي كلماتها الأخيرة أكدت صمودها وقوتها طوال رحلتها، مشيرة إلى أنّ قصتها ستبقى شاهدة على كل ما تجرعته من عناء، قبل أن تضع فصلًا ختاميًا مأساويًا لحياتها بإنهاء حياتها تاركة طفلتيها ورائها في حالة من الصدمة.
الداخلية تبحث فيديو الواقعة
كانت (بسنت س) ظهرت خلال البث وهي تتحدث إلى جمهورها مباشرة مستعرضةً ما وصفته بتفاصيل حياتها الشخصية ومعاناتها وظروفها القاسية، حيث روت – كما جاء على لسانها وحدها – جانبًا من أزمتها، مقدمة روايتها للأحداث من وجهة نظرها الشخصية دون وجود طرف آخر يرد أو يعلق على ما تذكره.
وبحسب ما تم تداوله فإنّ البث انتهى بشكل مفاجئ، أعقبه بلاغ إلى الأجهزة الأمنية بسقوط سيدة من الطابق الـ13 بمنطقة سموحة بدائرة قسم شرطة سيدي جابر بالإسكندرية، وانتقلت قوات الشرطة وسيارات الإسعاف إلى موقع البلاغ، وتبين العثور على جثمان السيدة أسفل العقار وفرض كردون أمني بمحيط المكان ونقل الجثمان إلى المشرحة تحت تصرف النيابة العامة، التي باشرت التحقيق في الواقعة.
وانتقل فريق من النيابة العامة إلى مسرح الحادث لمعاينته، وقررت التحفظ على كاميرات المراقبة المحيطة بالعقار، إلى جانب تفريغ مقطع البث المباشر الذي ظهرت خلاله السيدة قبل الواقعة، للوقوف على تفاصيل ما جرى في اللحظات الأخيرة.
كما صرحت النيابة العامة بدفن الجثمان عقب الانتهاء من إعداد تقرير الصفة التشريحية، وطلبت سرعة إجراء تحريات المباحث حول ملابسات الواقعة، وبيان ما إذا كانت هناك أي شبهة جنائية أو عوامل أخرى ذات صلة.
وتواصل الأجهزة الأمنية سماع أقوال أسرة السيدة وأقاربها وجيرانها، إلى جانب فحص علاقاتها وظروفها الاجتماعية، في محاولة لكشف ملابسات الواقعة، فيما لا تزال التحقيقات مستمرة حتى الآن.
وزير التضامن الاجتماعي تعلق على الحادث
ولم تمر سوى ساعات قليلة على واقعة (بسنت س)، حتى خرجت الدكتورة مايا مرسي وزيرة التضامن الاجتماعي بمنشور مقتضب عبر صفحتها الرسمية، مؤكدة ضرورة التعامل بحسم مع أي انتهاكات تمس حقوق الأطفال أو تهدد استقرار الأسرة، مشددة على أن حماية النشء تمثل أولوية قصوى.
تقول الدكتورة مايا مرسي: «لم تكن مجرد حياة انطفأت، بل كانت استغاثة أخيرة كتبت بدموع القهر قبل أن يسكتها الموت، أن تصل الأم، هي في الأصل منبع الحياة والصبر، إلى مرحلة يضيق بها الفضاء الرحب فلا تجد متسعًا إلا في الموت، هو مؤشر خطير على أن الأمان قد اغتيل بين مطرقة التعنت وظلم ذوي القربى وسندان الحاجة. إن قضية هذه الأم التي أنهت حياتها ولا نعلم السبب ولكن إحتمالية نزاع على شقة هي سكن بناتها، هي وصمة عار في جبين كل من استقوى ليحرم صغارًا من حضن أمهما وسكينة مأواهما، إن شقة الحضانة ليست مجرد جدران، بل هي كرامة، وحين يُنتزع السكن وتُهدد الاستقرار النفسي للأم، فنحن لا ننتزع منها حجرًا، بل ننتزع منها الرغبة في البقاء».
وأضافت وزيرة التضامن الاجتماعي: «إن التعسف في استخدام الحق والابتزاز العاطفي والمادي جريمة تستوجب العقاب الرادع، إن أرواح النساء والأطفال ليست ورقة في صراع المكايدة، والعدالة المتأخرة هي ظلم مقنّع، اضربوا بيد من حديد على كل من تسول له نفسه تحويل سكن الصغار إلى ساحة لتصفية الحسابات أو نفقة الصغار للمقايضة، حق الطفل لا يسقط في مسكن ونفقة، ارحموا الصغار ولا تكتبوا اسم والدتهم ولا تعملوا شير للمقطع ولا تقتحموا خصوصية حسابها وتنشروا منه ارحموا بنات ليس لهم أي ذنب.. إن هانت المودة وعزّت الرحمة في عِشرة البشر، فاعلموا أن رحمة رب البشر لا حدّ لها، وجبره للقلوب المكسورة حقٌ لا يضيع».
تعليق المجلس القومي للطفولة
وجهت الدكتورة سحر السنباطي، رئيسة المجلس القومي للطفولة والأمومة، بتقديم كل سبل الدعم والمساندة للطفلتين، وتُحذّر من تداول المحتوى حفاظًا على صحتهم النفسية.
ووجّهت الإدارة العامة لنجدة الطفل بسرعة التحرك الفوري لمتابعة حالة الطفلتين، في ضوء الواقعة المؤسفة التي شهدتها محافظة الإسكندرية، اليوم، والتي أسفرت عن فقدان أم وترك طفلتين في ظروف إنسانية صعبة.
ووجهت رئيسة المجلس بتقديم كل أوجه الدعم والرعاية اللازمة للطفلتين، بما يشمل الدعم النفسي والاجتماعي ومتابعة حالتهما لدي الجدة للأم، ومتابعة تحقيقات نيابة سيدي جابر الجزئية في الواقعة، بما يضمن حمايتهما وتوفير بيئة آمنة ومستقرة لهما.
ومن جانب آخر، ناشدت رئيسة المجلس القومي للطفولة والأمومة مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام ضرورة تحري المسؤولية المجتمعية والإنسانية، والامتناع التام عن نشر أو تداول أي مقاطع فيديو أو صور خاصة بالواقعة، لما لذلك من آثار سلبية جسيمة على الصحة النفسية للطفلتين وأسرتهما، واحترامًا لخصوصيتهما وكرامتهما الإنسانية.
وأكدت أنّ حماية الأطفال لا تقتصر فقط على التدخلات المباشرة، بل تمتد أيضًا إلى الحفاظ على سلامتهم النفسية وعدم تعريضهم لمزيد من الأذى نتيجة النشر غير المسؤول.