التاريخ السري والمنسي (3)
في الشكل العام يعتاد الناس أو يستمرئون فكرة أن التاريخ قد مضى في الطريق الذي صنعته تفاعلات الأحداث، ولم يكن هناك سبيل إلى غير ذلك. لكن النظرة الفاحصة لهذه المسألة عند الخاصة تفرض علينا أن نجيب عن أسئلة من قبيل: ما الحال أو الشكل الذي كان يمكن للتاريخ أن يمضي عليه لو لم يجتح صدام حسين دولة الكويت في الثاني من أغسطس عام 1990؟ وماذا لو انتصر الألمان في الحرب العالمية الثانية؟ وماذا لو لم تقع نكبة فلسطين عام 1948؟ وقبلها مسائل وجودية أعمق مثل: ماذا لو لم يتم القضاء على الديانات التي كانت قائمة في مصر القديمة بدعوى أنها وثنية؟ وماذا لو لم يسبق الإسبان والبرتغاليون في اكتشاف أمريكا اللاتينية، وتم الأمر على يد قوى استعمارية أخرى، خاصة فرنسا وإنجلترا؟
إن هذه التساؤلات برمتها يمكن أن تمس، في الجانب المتخيل منها، موضوع الفراغ السياسي، الذي لا يريد أحد أن يفكر فيه كاحتمال، لأن الجميع استسلم للمسار القدري للتاريخ، واعتبره ما كان ينبغي له أن يكون، وهو الخطأ بعينه، فيمكننا أن نقر بأن ما جرى قد تم بالفعل تحت وطأة أسباب عديدة، وقد نجد أنه من غير المستساغ أو المفيد أن نفكر في احتمال آخر، لأن هذا الاحتمال لو كانت تقف وراءه قوة اجتماعية وسياسية حقيقية ما كان يمكن لغيره أن يقع.
إن التفكير في هذا الاتجاه لا يعني الاستجابة لرغبة في التحسر والبكاء على الأطلال، لكنه محاولة للإحاطة بجانب من الفراغ في التاريخ السياسي، فالامتلاء، أي عكسه، هو ما جرى بالفعل، وتعامل أغلب الناس معه على أنه «الأمر الواقع» الذي لا فكاك منه، ولا إمكانية للهروب بعيداً عنه، ولذا نظروا إليه باعتباره السجل الحقيقي، وربما الطبيعي، لحياة الأمم، وقد دوَّنه المؤرخون على أنه سلسلة الأحداث التي لم يقع غيرها، ولو كان بمقدور غيرها أن يقع بالفعل، لكان لها ما أرادت، ولكتب المؤرخون شيئاً آخر.
قد تكون هذه حقيقة إن استجبنا لشروط الواقع المادية التي تفرض نفسها بلا جدال، لكن ليس بوسعنا أن نكبت رأي أولئك الذين يقولون إنه كان بالإمكان أن تمضي الأحداث في مسارات أخرى، لولا التآمر والخسة والخيانة والتقاعس واللهاث وراء المكاسب المادية السريعة، حسب تبريرهم، وربما لولا التعمية والتغطية على التاريخ الحقيقي، عملاً بالتصور الذي يرى أن التاريخ يكتبه المنتصر.
وبغض النظر عن مدى مصداقية المؤرخين الذين لا يقرون بشيء سوى ما جرى، في تحيز لما يسمى بالواقعية السياسية، فليس بوسع هؤلاء أن يقدروا في كل حين على ملء الفراغ الذي وقع جراء سؤال لم يفكروا يوماً في الإجابة عنه وهو: ما المسار الذي كان يمكن للأمور أن تمضي فيه لو لم يقع ما جرى بالفعل؟
لم يعد هذا سؤالاً افتراضياً بالفعل، فكثير من السجال الذي كان مكبوتاً في الماضي، لأنه لم يجد وسائل طيعة للتعبير عن نفسه، صار الآن متاحاً للكل، عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي كشفت لنا عن أن قطاعاً لا يُستهان به من الجمهور، يفكر فيما كان يمكن أن يقع، لو سار التاريخ في درب آخر، وهو تفكير ما كان له أن يتم إن لم يكن المسار الذي مضت الأشياء والوقائع والأحداث على منواله، قد تعثر في رأي متابعيه، فهؤلاء لو تمكنوا من ملء الفراغات التي تصنعها أسئلة الناس واحتياجاتهم في آن، ما كان يمكن أن يفكروا أبداً في المسارات الأخرى، التي يعتقدون أنها هي ما «كان ينبغي له أن يكون»، أو أنها هي المسارات التي لو وعاها الساسة والمفكرون والخبراء المحيطون به، أو الناصحون لصناع القرار، لكان بوسع التاريخ أن يمضي في طريق آخر.