ما أصل الزغرودة؟.. سخرت منها مطربة أمريكية في مهرجان كوتشيلا
ما أصل الزغرودة؟.. سخرت منها مطربة أمريكية في مهرجان كوتشيلا
اعتذار رسمي قدّمته المغنية العالمية سابرينا كاربنتر بعد وقوعها في سوء فهم محرج خلال عرضها الرئيسي بمهرجان كوتشيلا ليلة الجمعة، حيث ظنت خطًأ أن «زغرودة» أطلقتها إحدى المعجبات ما هي إلا غناء «يودل»- نوع من الموسيقى المؤداة بالصوت البشري الذي تصدره الحنجرة-، وهو ما أدى إلى رد فعل غير متوقع منها فوق خشبة المسرح.
زغرودة تثير الجدل في مهرجان كوتشيلا
وبدأت الواقعة بينما كانت سابرينا كاربنتر تعزف على البيانو على المسرح الرئيسي لمهرجان كوتشيلا، حيث قاطعت إحدى المعجبات الأجواء بصيحة احتفالية تعبيرًا عن حماسها، لترد عليها سابرينا عبر الميكروفون قائلة: «أعتقد أنني سمعت أحدهم يغني اليودل.. هل هذا ما تفعله؟ لا يعجبني ذلك»، وإزاء هذا التعليق، أجابت إحدى الحاضرات موضحة: «إنها ثقافتي»، لترد كاربنتر بتساؤل: «هل هذه ثقافتك أنت أيضًا؟»، قبل أن توضح الفتاة بصوت مسموع أن هذا الصوت هو في الواقع «زغرودة»، لتمازحها المغنية بعد ذلك متسائلة باستنكار: «هل هذا مهرجان بيرنينغ مان؟ ما الذي يحدث؟ هذا غريب»، وهي التعليقات التي وثقتها الكاميرات ونقلت تفاصيل الحوار العفوي والمربك في آن واحد.
وأثارت هذه اللحظة، التي تداولها مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي على نطاق واسع وبسرعة البرق، موجة من الانتقادات من قبل بعض المشاهدين الذين رأوا في رد فعلها نوعًا من الاستخفاف بتعبير ثقافي أصيل يعبر عن الفرح والبهجة، ومن جانبها، سارعت كاربنتر لتوضيح موقفها لاحقًا، مؤكدة أن رد فعلها نابع من مجرد حيرة ولحظة ارتباك ولم يكن يحمل في طياته أي قصد للإساءة أو التقليل من شأن أي ثقافة.
Sabrina Carpenter is being lauded as “very, very based” for mocking a woman’s Indian Yell during a concert.
— Ian Miles Cheong (@ianmiles) April 12, 2026
“Is that your culture? I don’t like it.” pic.twitter.com/JAi4XHj9cK
ما أصل الزغرودة؟
والزغرودة أو «الزغروطة»هي تعبير صوتي عن الفرح، تُؤدى بتحريك اللسان بسرعة من جانب إلى آخر مع إصدار صوت حاد، وغالبًا ما تُؤدى على دفعات، ويمكن سماعها في أماكن واسعة، مما يجعلها معروفة على الفور في التجمعات.
ولا تختلف مظاهر الاحتفال بالزغاريد في شتى البلدان العربية، وإن تعددت مسمياتها باختلاف اللهجات؛ ففي بلاد الشام تُعرف بـ «الزلغوطة» أو «المهاهاة»، ووفقًا لما أورده الباحث محمد خالد رمضان في كتاب «دراسات في الزغرودة الشعبية السورية» الصادرة عام 2009، فإن لهذه الصيحات دلالات ومواقف متنوعة، تشمل الفخر والتغني بالأمجاد، واستعراض مآثر العروسين، وتقديم النصائح، وصولًا إلى التعبير عن العصبية العائلية والتوادد، واصفًا الزغرودة بأنها عملية فنية معقدة وصعبة في أدائها.
ويشرح الباحث تفاصيل هذا الطقس موضحًا أنه يبدأ باجتماع ثلاث نساء بالقرب من الشخص المحتفى به، حيث تبدأ إحداهن بالزغردة واضعةً يدها اليسرى فوق أنفها وفمها أو على جانب رأسها، ومع اقتراب المقطوعة من نهايتها، تشارك الأخريات في «المهاهاة» بصوت رخيم وعذب يضفي طابعًا جماليًا على الموقف.
كما تتعدد مسميات هذا الفن الشعبي في المجتمعات العربية الأخرى لتشمل «الهلهولة»، و«اليباب»، و«الغطرفة»، بينما تُسمى في المغرب «التزغريتة»، ولها بروتوكول خاص حيث تُطلق النساء ثلاث زغاريد عند استقبال مولود ذكر وزغرودة واحدة للأنثى، أما في العامية المصرية، فتعرف بـ «الزغروطة» وتصدح في الزفاف، والنجاح الدراسي، والاحتفاء بعودة الغائبين.

ومن المفارقات التاريخية أن توديع المتوفى بالزغاريد يُعد عادة مصرية أصيلة تمتد جذورها للعصر الفرعوني منذ أكثر من 3 آلاف عام قبل الميلاد، وهو طقس يُستدعى في لحظات معينة، أما في السياق الفلسطيني، تبرز الزغاريد بشكل ساطع عند استقبال جثامين الشهداء الذين سقطوا بنيران الجيش الإسرائيلي دفاعًا عن وطنهم، فضلًا عن حضورها الطبيعي في الأعراس؛ حيث تشير دراسة للأكاديميين معتصم عديلة وحسن الدراويش عام 2012 بعنوان «فن الزغاريد الشعبية في الأعراس الفلسطينية»، إلى أن الزغاريد ليلة الزفاف تساهم في كسر الحاجز النفسي وإنهاء حالة التوجس بين العروسين فور عقد القران.
أما عن التأصيل التاريخي لنشأة الزغاريد، فترجعها الدراسة السابقة إلى العصر الجاهلي كعادة متجذرة في الأفراح ترافقها الأناشيد الحماسية، إلا أن أصولها تظل محل تنازع بين الثقافات؛ إذ يرى الباحث سامح مقار ناروز في كتابه «اللهجة العامية وجذورها المصرية» أن لفظ «زغروطة» يقترب من الكلمة القبطية «أورو» التي تعني «ملك»، حيث كان المحتفلون قديمًا يصيحون بها حول العريس المتوج بتاج ملكي، ومع مرور الزمن تحولت الكلمة إلى صوت رمزي للفرح يكرر لفظ «أورو» بسرعة فائقة.

ويذهب البعض إلى أن الزغاريد عرفت منذ عهد الإنسان البدائي، حيث كانت تماثل صوت البعير المتردد في الحلق وتُستخدم كاستغاثة لدرء الكوارث أو طلب المطر، كما تنسبها مراجع أخرى للسكان الأصليين في أمريكا الشمالية واللاتينية كوسيلة لطلب النجدة، أو إثارة الحماسة في المواجهات، أو حتى للتنبيه من الأخطار أثناء الصيد.
ويرى باحثون آخرون أن أصولها تعود لقبيلة هندية تمارس طقس «جوكار» لطرد الطاقة السلبية والحسد، بينما تظل الزغرودة وسيلة تعبير عن الحماسة أو الصدمة لدى الأمازيغ وقبائل الغجر وشعوب أفريقيا الذين استخدموها لإعلان الانتصارات، قبل أن تنتقل للبلدان المجاورة، مع تميز الزغاريد النوبية بطابع خاص ومغاير تمامًا عن بقية ربوع مصر.