وعود جوفاء بـ«نصر كامل».. «نتنياهو» لم يحقق أمن إسرائيل

كتب: محمود العيسوي

وعود جوفاء بـ«نصر كامل».. «نتنياهو» لم يحقق أمن إسرائيل

وعود جوفاء بـ«نصر كامل».. «نتنياهو» لم يحقق أمن إسرائيل

الناخبون في دولة الاحتلال الإسرائيلي هم مَن سيحسمون مصير رئيس حكومتهم المقبلة في وقت لاحق هذا العام، لكن كل ما سمعوه حتى الآن، لا يتجاوز وعوداً بـ«نصر كامل» ثبت أنها «جوفاء»، إنه سجل من الإخفاق الذريع، والحديث هنا ليس عن الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، رغم أن ذلك ممكن، بل عن شريكه في هذه الحرب الكارثية بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي.

ففي تحليل لافت، يعكس تحولات عميقة في قراءة المشهد الإسرائيلي، يقدم الكاتب جوناثان فريدلاند، في صحيفة «الجارديان»، تقييماً قاسياً لمسار رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، معتبراً أن الرهان المستمر على القوة العسكرية، بوصفها الضامن الوحيد للأمن، لم يحقق لإسرائيل سوى نتائج محدودة ومؤقتة، في مقابل كلفة بشرية وسياسية باهظة، داخلياً وخارجياً.

ينطلق التحليل من مفارقة لافتة، فبينما يتصدر «ترامب» المشهد الإعلامى، باعتباره واجهة التصعيد العسكرى الأخير، لا سيما خلال الحرب التي استمرت 40 يوماً ضد إيران، فإن «نتنياهو»، شريكه في هذا المسار، يظل اللاعب الأكثر تأثيراً في توجيه مسار الأحداث، حتى وإن تأخر ظهوره في دائرة الضوء، فالرجل الذي بنى مسيرته السياسية على خطاب «الأمن والحسم العسكرى»، يجد نفسه اليوم في قلب اختبار غير مسبوق، لمدى صدقية هذا النهج، الذي بات يُعرف بـ«النتنياهوية».

الضربات المكثفة داخل لبنان

يشير «فريدلاند» إلى أن سلوك «نتنياهو» خلال الأزمة الأخيرة، يعكس ازدواجية واضحة، فمن ناحية يوافق على الانخراط في مسارات تفاوضية، كما في حديثه عن إجراء محادثات مع الحكومة اللبنانية، ومن ناحية أخرى يواصل العمليات العسكرية بوتيرة عالية، بما في ذلك الضربات المكثفة داخل لبنان، رغم إعلان تهدئة إقليمية، هذا التناقض، بحسب التحليل، يعكس محاولة للجمع بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج، دون امتلاك رؤية متماسكة لحل طويل الأمد.

ويكتسب هذا التناقض أهمية أكبر في ظل الجدل حول نطاق الاتفاقات الدولية، حيث تختلف الروايات بشأن ما إذا كانت تشمل الساحة اللبنانية أم لا، في وقت وصف فيه نائب الرئيس الأمريكى، جى دى فانس، الأمر بأنه «سوء فهم مشروع»، وهو توصيف يعكس حجم الضبابية التي تحيط بالمشهد، لكنه لا يقلل من خطورة استمرار العمليات العسكرية في بيئة يفترض أنها تتجه نحو التهدئة.

ومن زاوية التقييم، يطرح التحليل ثنائية حاسمة في فهم موقع «نتنياهو»، بمقارنة الصورة الخارجية، مقابل الصورة الداخلية، فعلى الصعيد الدولى، يواجه رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي اتهامات بارتكاب «جرائم حرب»، و«جرائم إبادة جماعية»، ويخضع لملاحقة قانونية أمام المحكمة الجنائية الدولية، كما يُنظر إليه باعتباره المسئول الرئيسى عن الدمار الواسع في قطاع غزة، أما على الصعيد الداخلى، فلا تزال صورته لدى قطاع من الناخبين، مرتبطة بفكرة «رجل الأمن»، القادر على حماية إسرائيل، في بيئة إقليمية معادية، رغم ما يلاحقه من اتهامات بالفساد، وشبهات أخلاقية، ومحاكمات مستمرة.

غير أن هذه الصورة الداخلية، التي طالما شكلت ركيزة بقائه السياسى، تواجه اليوم اختباراً قاسياً، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات، فالسؤال الذي يطرحه التحليل بإلحاح هو: «ماذا حقق نتنياهو فعلياً على صعيد الأمن؟»، وهو المعيار الذي يقدمه لأنصاره كأهم إنجازاته، الإجابة، كما يطرحها «فريدلاند»، تبدأ من لحظة مفصلية، هجوم السابع من أكتوبر 2023، الذي يشكل أكبر اختراق أمنى لدولة الاحتلال في السنوات الأخيرة، فخلال هذا الهجوم، تمكنت مجموعات من حركة «حماس» من اختراق الحدود، وتنفيذ عمليات داخل الأراضى الإسرائيلية، في ظل إخفاق واضح للأجهزة الأمنية، ويرى التحليل أن هذا الحدث وحده كان كفيلاً، في سياقات سياسية أخرى، بإنهاء مسيرة أى مسئول سياسى يرفع شعار الأمن.

تصريحات نتنياهو الزائفة

لكن «نتنياهو» لم يكتفِ بالبقاء في السلطة، بل صعّد خطابه، متعهداً بتحقيق «نصر كامل» على «حماس»، بما يعنى القضاء على وجودها في قطاع غزة، غير أن الواقع، بعد سنوات من العمليات العسكرية المكثفة، يشير إلى أن هذا الهدف لم يتحقق، إذ لا تزال الحركة تحتفظ بوجودها ونفوذها في أجزاء من القطاع، ما يضعف مصداقية الخطاب الرسمى حول «الحسم العسكرى».

ويمتد هذا النمط إلى جبهات أخرى، أبرزها «حزب الله»، حيث أعلن «نتنياهو»، في مراحل سابقة، أنه نجح في تحييد تهديده، وتأمين عودة سكان شمال إسرائيل إلى منازلهم، لكن التطورات اللاحقة، خاصة مع تجدد المواجهات، كشفت أن هذه التقديرات كان مبالغاً فيها، وأن التنظيم لا يزال يمتلك القدرة على إعادة تنظيم صفوفه واستئناف عملياته.

أما فيما يتعلق بإيران، فيرى التحليل أن التجربة تقدم نموذجاً إضافياً لما يمكن وصفه بـ«الانتصارات المؤقتة»، فبعد إعلان واشنطن وتل أبيب تحقيق اختراق كبير في مواجهة سابقة، عادت طهران خلال فترة قصيرة، لتظهر مجدداً كقوة إقليمية قادرة على التأثير، سواء من خلال برنامجها النووى، أو قدراتها الصاروخية، أو حتى عبر أدوات الضغط الاستراتيجى، مثل التحكم في مضيق «هرمز».

وفي هذا السياق، ينقل التحليل عن المحلل العسكرى الإسرائيلي، آموس هاريل، قوله إن تكرار الإعلان عن «نصر كامل» في أكثر من جبهة، دون تحقق نتائج حاسمة، يكشف عن فجوة بين الخطاب السياسى، والواقع الميدانى، وهى فجوة تتسع مع كل جولة جديدة من الصراع، ولا يقتصر النقد على النتائج، بل يمتد إلى جوهر الاستراتيجية التي يتبناها «نتنياهو»، والتي تقوم على فرضية أن الأمن يمكن تحقيقه عبر القوة العسكرية وحدها.

ويشير التحليل إلى أن هذا النهج، حتى عندما يحقق نجاحات تكتيكية، لا ينجح في إنتاج استقرار دائم، بل يؤدى إلى دورات متكررة من العنف، حيث تعود التهديدات بأشكال جديدة بعد كل جولة، وفي هذا الإطار، يبرز رأى السياسى الإسرائيلي، يائير جولان، الذي يرى أن المشكلة الأساسية تكمن في عجز القيادة الحالية عن تحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب سياسية، سواء عبر تسويات، أو بناء تحالفات، فبدلاً من استثمار الفرص الدبلوماسية، يتم اللجوء إلى القوة كخيار أول وأخير، وهو ما يحد من إمكانية تحقيق اختراقات حقيقية في مسار الصراع. ويخلص التحليل إلى أن «النتنياهوية»، بوصفها نهجاً سياسياً، لم تحقق لإسرائيل الأمن الذي وعدت به، بل أسهمت في تعميق عزلتها الدولية، وزيادة التحديات التي تواجهها، فإلى جانب الخسائر البشرية الكبيرة، تضررت صورة إسرائيل على الساحة العالمية، في ظل اتهامات متزايدة بانتهاك القانون الدولى، وسياسات داخلية مثيرة للجدل، ومع اقتراب موعد الانتخابات، تبدو الساحة السياسية الإسرائيلية أمام مفترق طرق، إما الاستمرار في النهج نفسه مع تغيير الوجوه، أو إعادة النظر في الأسس التي قامت عليها السياسات الأمنية خلال العقود الماضية.

ويطرح التحليل احتمال أن تؤدى الإخفاقات المتكررة إلى فتح المجال أمام نقاش أوسع، حول بدائل تعتمد على التسوية السياسية، خاصة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، باعتبارها جوهر الصراع، وفي المحصلة، لا يقدم التحليل مجرد نقد لشخص «نتنياهو»، بل يطرح تساؤلاً أعمق حول حدود القوة العسكرية كأداة للسياسة، وما إذا كان بالإمكان تحقيق أمن مستدام في منطقة معقدة، دون معالجة الجذور السياسية للنزاعات، وهو سؤال قد يحدد، في نهاية المطاف، ليس فقط مستقبل «نتنياهو»، بل أيضاً المسار الذي ستسلكه إسرائيل في السنوات المقبلة.