التكليف وفق الاحتياج.. كيف تتحقق العدالة؟!

في الوعي الجمعي لخريجي الكليات الصحية، ظل التكليف لسنوات طويلة يمثل المحطة الطبيعية التالية للتخرج؛ خطوة شبه مؤكدة تفصل بين مقاعد الدراسة وبداية الرسالة المهنية. كان الخريج ينظر إليه باعتباره أول اعتراف عملي بسنوات الجهد، وأول باب تفتحه الدولة أمامه ليترجم ما تعلَّمه إلى خدمة حقيقية للمريض والمجتمع.

أما اليوم، فقد تغيّر المشهد بالكامل. لم يعد التكليف شاملاً لكل الخريجين، بل أصبح يتم وفقاً للاحتياج الفعلي للمنظومة الصحية، وهي فلسفة مفهومة ومنطقية في ظل السعي إلى ترشيد توزيع الموارد البشرية وضمان الاستفادة المثلى منها. لكن هذا التحول الكبير يفرض في المقابل سؤالاً أكثر أهمية: كيف نختار من يستحقون هذه الفرص المحدودة؟

هنا تظهر المشكلة الحقيقية؛ فحين يصبح عدد فرص التكليف أقل من عدد الخريجين، يصبح معيار الاختيار هو الفارق بين من سيحصل على فرصة العمل داخل المنظومة الصحية ومن سيبقى خارجها. ولذلك لا يجوز أن يظل هذا المصير مرهوناً بمعيار واحد هو التقدير التراكمي.

الاعتماد على التقدير وحده في ظل نظام التكليف وفق الاحتياج يعني ببساطة أننا سنأخذ أصحاب أعلى المجاميع فقط، ونترك بقية الخريجين، وكأن المجموع وحده هو المعبِّر الكامل عن الكفاءة المهنية. وهذه نظرة لا تنسجم مع طبيعة المهن الصحية أصلاً، سواء في الصيدلة أو طب الأسنان أو العلاج الطبيعي، حيث تمثل المهارات العملية والتدريب السريري والقدرة على التعامل مع المريض جزءاً لا يقل أهمية عن التفوق النظري.

الأخطر من ذلك أن التقييم الأكاديمي نفسه لم يعد موحداً بين الجامعات. فهناك جامعات تتسم بدرجات عالية من الصرامة في الامتحانات، وأخرى قد تكون أكثر مرونة، فضلاً عن اختلاف نظم الساعات المعتمدة، وطبيعة الاختبارات، وحجم التدريب العملي، وحتى فلسفة التصحيح نفسها. وبالتالي فإن المقارنة بين خريج وآخر من جامعتين مختلفتين بناءً على رقم نهائي مجرد قد تظلم الأكفأ وتمنح الأفضلية لمن استفاد من نظام تقييم أكثر تساهلاً.

ومن هنا، فإن نظام التكليف وفق الاحتياج يفرض بالضرورة تطوير أدوات الفرز والاختيار. المطلوب ليس إلغاء التقدير، بل وضعه ضمن منظومة أوسع تشمل التدريب العملي، والامتياز، والدورات المهنية، والمهارات التطبيقية، وربما اختبارات مركزية موحدة تضمن تكافؤ الفرص بين جميع الخريجين بغض النظر عن الجامعة التي تخرجوا فيها.

العدالة هنا ليست رفاهية، لأن القرار لم يعد متعلقاً بترتيب رغبات فقط، بل بتحديد من يدخل المنظومة الصحية أصلاً ومن ينتظر خارجها. لذلك فإن استمرار الاعتماد على التقدير وحده في ظل هذا الواقع الجديد قد يخلق إحساساً واسعاً بالغبن، ويهدر فرصاً حقيقية لكفاءات تستحق.

إن التكليف وفق الاحتياج خطوة تنظيمية مهمة، لكنها لن تحقق أهدافها إلا إذا ارتبطت بمنظومة تقييم عادلة وموحدة، تضمن أن تكون الفرصة من نصيب الأكثر كفاءة، لا فقط الأعلى رقماً.. أو هكذا أعتقد..!