تأييل الحياة
لا خلاف على أهمية «برامج الذكاء الاصطناعي» كجزء من أدوات العصر، ولكن ذلك لا يمنع من أن لها خطرها على مسألة الأحقية في الحصول على الشهادات العلمية، خصوصاً داخل تخصصات لا تعتمد بنسبة كبيرة على الابتكار المعرفي أو تطبيق أدوات تستلزم جهداً ذهنياً إبداعياً من جانب الباحث، بل تستند إلى مجموعة من الإجراءات البحثية الآلية والمحفوظة في تصميم الأدوات وتحليل البيانات العلمية واستخلاص النتائج، بصورة تجعل برامج الذكاء الاصطناعي قادرة على إنجازها بشكل جيد، وبالتالي تقديم رسائل ماجستير ودكتوراه مصنوعة نظير مبالغ مالية معينة تدفع للباحث الذي يتولى تنفيذ المهام البحثية المطلوبة على برنامج الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى ما يتم دفعه مقابل استخدام البرنامج.
تأثير برامج الذكاء الاصطناعي لا يتوقف عند حد إحداث تشوهات بالبحث العلمي بالجامعات وتحويله إلى مجرد وسيلة للحصول على الألقاب العلمية (الماجستير أو الدكتوراه) دون أن يكون لدى صاحبها علم حقيقي، بل يتجاوز ذلك إلى التعليم الجامعي في حد ذاته. فبعض المهام التي كان الطالب الجامعي يقضي 4 أو 5 سنوات في تعلم كيفية أدائها وإنجازها أصبحت تتم عبر برامج الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لم تعد القيمة للخريج الجامعي المتخصص في أداء هذه المهام، بل في الشخص الذي يستطيع توظيف برامج الذكاء الاصطناعي في إنجازها.
تعالَ -على سبيل المثال- إلى أدق تخصص في مجال الحاسبات والمعلومات، وهو مجال البرمجة، وسوف تجد أن بإمكان برامج الذكاء الاصطناعي إعداد برامج جاهزة في مجالات متعددة. فإذا أرادت «صيدلية» -مثلاً- إعداد برنامج تطبيقي ينظم عمليات البيع والشراء من الأدوية ويحدد الخارج والداخل منها والموجود في المخازن وغير ذلك فإن بإمكانها اللجوء إلى أخصائي ذكاء اصطناعي لإعداد هذا البرنامج. لقد كانت في الأحوال العادية تلجأ إلى أحد المبرمجين ليقوم بتحليل نظام العمل بالصيدلية، ثم يقوم بعد ذلك بتكويد البرنامج بإحدى لغات البرمجة المعروفة، ويحل المشكلات التي تظهر عند تطبيقه وهكذا، الأمر بالطبع يختلف عند اللجوء إلى «برامج الذكاء الاصطناعي» حيث سيقوم متخصص بصناعة «برنامج الصيدلية» عبر هذه البرامج الاصطناعية، وقد ينجح أو يخفق في ذلك تبعاً لمدى كفاءته في التعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي.
معنى ذلك أن مُشغِّلي برامج الذكاء الاصطناعي سيكونون أكثر أهمية من بعض خريجي الجامعات في المستقبل، وسيخلخل هذا الأمر من قيمة التعليم الجامعي ككل. فمن الممكن أن يكتفي الشخص بتعلم إدارة وتشغيل برامج الذكاء الاصطناعي في بضعة شهور وبمبلغ مالي محدود، ولا يرهق نفسه في التعليم الجامعي لمدة 4 أو 5 سنوات وبمبالغ مالية كبيرة، حتى يتعلم تخصصاً تستطيع برامج الذكاء الاصطناعي أن تُغني عنه.
يزعم البعض أن الاعتماد على برامج الذكاء الاصطناعي سوف يمنح الباحثين الجامعيين فرصاً أكبر لتفريغ عقولهم للتفكير الابتكاري والإنتاج الإبداعي، لأنها ستجنبهم أداء الأعمال الآلية الروتينية، وظني أن المسألة لن تكون كذلك، على الأقل داخل دول العالم الثالث، إذ سيؤدي الاعتماد على برامج الذكاء الاصطناعي إلى ضرب فكرة البحث العلمي الحقيقي لحساب البحث العلمي الآلي، وسوف تؤدي إلى (تأييل الحياة) أي تحويل كل شيء إلى آلة تشير على الإنسان بما قد يصلح أو قد لا يصلح له، لأن الآلة لا تميز، إلا إذا كانت تديرها يد واعية وعقل بشري يفكر.
التجربة تقول إن دخول التكنولوجيا إلى مجتمع متخلف تزيده تخلفاً!