حناجر وخناجر

حاتم جمال

حاتم جمال

كاتب صحفي

نحن لا ننسى ولا نتناسى كيف أدارت الآلة الإعلامية الصهيونية مخططاتها منذ ما يزيد علي مائة عام، لا ننسى استخدام الفن والإعلام كسلاح لغسيل العقول وزرع أفكارهم المسمومة لتكون حقائق، لا ننسى كيف استخدم هذا السلاح في غرس الكيان والترويج له بأفلام، بداية من فيلم «جوديث» للمخرج دافيد جريفيث عام 1913 وفيلم «الوصايا العشر» لسيسيل لدى ميل عام 1923، وفيلم «بن هور» و«الخروج» وغيرها من أفلام تتحدث عن أرض الميعاد.

لا ننسى طوفان الأفلام التي تناولت اضطهاد اليهود أمام النازي وابتزاز العالم، لا ننسى كيف جندت الحركة الصهيونية كبار الكتاب والمخرجين والفنانين ليثبتوا ولاءهم العرقي، لم ننس حملة جمع التبرعات لإسرائيل أثناء حرب 1967 والتي اشترك فيها كبار نجوم هوليوود تحت شعار «ادفع دولاراً تقتل عربياً»، التي قادها النجم جيري لويس ودفعت النجمة إليزابيث تايلور فيها ربع مليون دولار.

لم ولن ننسى تاريخ الدماء والمواقف الصارخة لدعم الكيان ونشر أفكارهم ودعاويهم من خلال القوى الناعمة، والتي لعبت أيضاً دوراً هاماً في الحرب الأمريكية الإسرائيلية علي إيران، فرغم الهدوء النسبي الذي يسبق العاصفة بعد جولة استمرت ما يزيد علي40 يوماً إلا أن الفن كان يمهد الطريق ويتلاعب بالعقول ويغرس الأفكار حتى يتقبل العالم الهجوم ويبرر حجم الدمار، يرون القضاء علي الشرير الأعظم في الكوكب ويظهرون كملائكة دعاة سلام، لا من أجل مصالحهم بل من أجل الكوكب.

هذا ما حدث قبل الحرب، فإسرائيل قدمت مسلسل «طهران» عام 2022 علي أكبر المنصات العالمية، وعُرض في قناة كان 11 عندهم، الذي يدور في إطار تشويقي جاسوسي يتعرض لمحاولات الموساد في اختراق مفاعل نووي إيراني، ويظهر الجاسوس الإسرائيلي كبطل خارق يكشف التهديد النووي وينجح في تعطيله، ويلقي المسلسل الضوء علي الحرب السيبرانية بين البلدين.

بل استقطبت بعض المخرجين الإيرانيين المطبعين ليوجدوا في إسرائيل، مثل المخرج الإيراني «محسن مخملباف»، أحد أبرز المخرجين في الموجة الجديدة للحركة السينمائية الإيرانية، والذي وصف بالمخرج المتمرد علي النظام الحاكم في طهران وأحد أعدائه، بعد أن كان يوماً جزءاً من بنيته، وزار إسرائيل أكثر من خمس مرات، وشارك في مهرجان حيفا وعرض أفلامه فيها، مثل «البستاني»، وقدم ورش عمل هناك، وقامت الدعاية الإسرائيلية بالترويج لهذه الزيارات وإتاحة الفرص أمامه وأمام ابنته المخرجة للعمل في كبريات شركات الإنتاج العالمية.

على عكس المخرج الإيراني جعفر بناهي، الذي يعد أحد أشهر صناع السينما في إيران، وحاز عدداً من الجوائز العالمية، منها جائزة الأسد الذهبي من مهرجان فينيسيا السينمائي، وجائزة الدب الفضي من مهرجان برلين السينمائي، والذي اتهم في إيران وحكم عليه غيابياً بالسجن لمدة عام بتهمة «الدعاية ضد النظام» بمجرد بداية الحرب عاد إلي وطنه متجاهلاً الحكم ليدافع عنه.

الولايات المتحدة، وبالتحديد هوليوود، كانت تمهد لهذه الحرب منذ سنوات، وقدمت العديد من الأعمال التي تظهر الإيرانيين علي أنهم غوغائيون، يقيدون الحريات بكل أشكالها، وأنها الخطر الحقيقي علي العالم منذ فيلم «ليس بدون ابنتي» عام 1991، والذي يصور الحياة داخل إيران علي أنها سجن كبير، مروراً بفيلم «رجم ثريا» 2008، الذي يتحدث عن تقييد حرية المرأة من خلال اتهام زوج زوجته بالزنا ليتزوج من طفلة ويقام عليها حد الزنا، حتى فيلم «آرغو» 2012 الذي يدور حول أزمة الرهائن الأمريكيين التي جرت في عام 1979 وبطولات المخابرات الأمريكية لتحريرهم، وهو من بطولة وإخراج بن فليك الذي فاز بالأوسكار عن هذا العمل وسط دهشة الجميع، كذلك فيلم «ماء الورد» 2014، الذي يدور عن الصحفية مازيار بهاري التي اتهمت بالتجسس علي إيران وهو مأخوذ عن قصة حقيقية.

نحن لا ننسى الحناجر التي روجت لأفعالهم في المنطقة ولا الخناجر التي أسالت الدماء، فالأبواق ما زالت تبرر وتجمل والصواريخ ما زالت تحصد الأبرياء.