التفسير النفسي للتطرف والإرهاب
خلال زيارتي الأخيرة إلى الهيئة المصرية العامة للكتاب، دار النشر الكُبرى والرئيسية بمصر والوطن العربي والعالم الثالث، أهداني الدكتور خالد أبوالليل، رئيس مجلس إدارة الهيئة، كتاباً جديداً صدر للمرحوم الدكتور شاكر عبدالحميد وزير الثقافة الأسبق «20 يونيو 1952 - 18 مارس 2021».
وهذا كتاب مهم يقع في نحو 190 صفحة من القطع الكبير ويدور حول موضوعٍ يشغلنا جميعاً، يقول عنه المؤلف إن التطرف ظاهرة مُركَّبة، وقد تصعُب رؤيته أو تحديده، ومع ذلك فإنه يُعرَّف ببساطة على أنه مجموعة من الاعتقادات والاتجاهات والمشاعر والأفعال والاستراتيجيات ذات الطبيعة البعيدة عن الحد المعتدل أو العادي.
وفي مواقف الصراع يتجلى التطرّف بوصفه شكلاً حاداً من حالات الدخول في صراعٍ مع طرفٍ آخر. ومع ذلك فإن وصف أي أنشطة أو أفراد أو جماعات على أنها متطرفة، وكذلك تحديد الاعتدال في أي سياق غالباً ما يكون أمراً ذاتياً وسياسي الطابع. والآن فإن بعض الأطراف تصف المسلمين جميعاً بالتطرّف، مع أن فيهم معتدلين وفيهم أيضاً متطرفين، وإن كان المتطرفون قِلَّة.
ومع هذا فإن المسلمين الآن لا يتبعون الجناح المتطرف، وبعضهم محافظ دينياً في كل الأمور، ولذلك فإن صاحب هذا الكتاب يميل إلى استخدام مصطلح التطرّف للإشارة إلى تلك الجماعات المتشدّدة دينياً وسياسياً ويعني التطرف. وهو حرفياً معناه دفع أي شيء نحو حدوده أو أطرافه القصوى، وكذلك التبنّي لوجهات نظر أو معايير متطرفة. ويستخدم هذا المصطلح كذلك كي يشير دينياً أو سياسياً إلى إحدى الأيديولوجيات التي تعتبر من جانب أصحابها أو من جانب المعارضين لها خارج التيار العام في المجتمع، أي التطرف.
لذلك فإن المؤلف يضع بعض الجوانب عندما يتحدث عن مفهوم التطرّف، فإن التطرّف قد يراه البعض على أنه فعل عادل وأخلاقي، كما يراه المؤيدون للقتال من أجل الحرية في فلسطين مثلاً، بينما قد يراه البعض الآخر على أنه شيء لاأخلاقي ضد الإنسانية أو نوع من الإرهاب.
وإضافة إلى ذلك قد يزداد حدوث الأفعال المتطرفة من جانب الجماعات الهامشية والأفراد الهامشيين الذين قد يرون أن أشكال المعايير السائدة سياسياً واقتصادياً متميزة ضدهم وتعوق نموهم، ومع ذلك فإن كل من يستخدم التطرّف والإرهاب مدان مهما كانت أسبابه ومبرراته، هذا إن كانت له مبررات.
المؤلف وهو وزير ثقافة سابق وأستاذ جامعي ومؤلف يرى أن هذه الجماعات تقوم بتذويب الهوية الشخصية داخل الهوية الجمعية، ويؤكد المؤلف أن التطرّف والتصلب والجمود والتسلط من المفاهيم الأساسية في علم النفس الاجتماعي، وعلم النفس السياسي، وتنطوي على مفاهيم فرعية أخرى، منها المعتقدات والاتجاهات والقيم والآراء.
ويؤكد المؤلف بشكلٍ قطعي أن هذه الممارسات لا علاقة لها بالمعتقدات التي يمكن أن يقول المتطرّف إنه يؤمن بها، وإنها هي السبب في إقدامه على ما أقدم عليه، ويدافع بشكلٍ جوهري عن الإسلام، والإسلام لا يمكن أن يكون مصدراً جوهرياً للتطرف والإرهاب، لأن التطرف له مصادر كثيرة في النفس الإنسانية.
إن هذا الكتاب المهم لا بد من قراءته بعناية، لأنه يجعلنا نتوقف طويلاً أمام ما نعاني منه في حياتنا اليومية، سواء كان من تطرّف أو إرهاب، وهما لا علاقة لهما بسماحة الإسلام ولا بوسطية الإسلام، وإنما هما من أشكال التسلط والعنف السياسي والديني. ربما كان ردود أفعال، وربما كان أفعالاً أساسية، لكنهما لا علاقة لهما بالمعتقد الذي يمكن أن يؤمن به الإنسان.
إن المؤلف يؤكد في كتابه أن ثقافة الإبداع يمكن استخدامها في مواجهة ما يمكن أن يسمى ثقافة التطرّف والإرهاب، فالإبداع فعل إنساني جميل، في حين أن التطرّف والإرهاب أمور تتنافى مع إنسانية الإنسان. ومع إنسانية الإنسان التي تقوم على حب الآخرين والدفاع عنهم وتمكينهم من القيام بالمطلوب منهم، حتى تصبح الحياة ممكنة وجميلة.