«الصراع على هرمز»: مكاسب قصيرة الأجل للصين.. ومخاطر تهدد أمن الطاقة
«الصراع على هرمز»: مكاسب قصيرة الأجل للصين.. ومخاطر تهدد أمن الطاقة
في خضم التصعيد غير المسبوق بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، تجد الصين نفسها في موقع معقد، يتأرجح بين «مكاسب قصيرة الأجل»، و«خسائر استراتيجية مُحتملة» على المدى البعيد، فبينما بدت بكين في الأيام الأولى للصراع وكأنها المستفيد غير المباشر من انشغال واشنطن في الشرق الأوسط، سرعان ما تكشفت تداعيات أعمق، تهدد أمن الطاقة في الصين، بل واستقرارها الاقتصادي، بل وتعيد رسم ملامح علاقاتها مع الولايات المتحدة والعالم.
قبل اندلاع الحرب بأسابيع، كان وزير الخارجية الصيني، وانج يى، يتحدث بثقة عن «عام استثنائي» في العلاقات بين بلاده والولايات المتحدة، في إشارة إلى زيارة كانت مخططة للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى بكين، وهى الأولى منذ عام 2017، إلا أن تلك التوقعات سرعان ما تبددت، بعد قرار الرئيس الأمريكي شن ضربات عسكرية، بالتنسيق مع إسرائيل، ضد إيران، ما أدى إلى اندلاع صراع واسع في الشرق الأوسط، تسبب في أزمة طاقة عالمية، وموجة اضطرابات حادة فى العلاقات الدولية.
«الجارديان»: «عام استثنائي» في العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين ينتهى قبل بدايته
ووفق تقرير لصحيفة «الجارديان»، فقد ألقى هذا التصعيد بظلاله الثقيلة على العلاقة الدقيقة بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، إذ تبادلت بكين وواشنطن الاتهامات، حيث وصفت الصين الإجراءات الأمريكية في مضيق «هرمز» ومنطقة الخليج بأنها «خطيرة وغير مسئولة»، ولوحت بالرد على تهديدات فرض رسوم جمركية، بينما اتهمت وزارة الخزانة الأمريكية بكين بأنها «شريك عالمي غير موثوق» بسبب تخزينها كميات كبيرة من النفط.
وفى ظل هذه التوترات، تبدو زيارة «ترامب» المرتقبة إلى بكين، التي أُعيدت جدولتها إلى مايو، مهددة بأن تتحول من «فرصة» لإبرام اتفاق تجارى متوازن، إلى «ساحة خلافات حادة» تطغى عليها تداعيات الحرب، خاصة مع اتهامات أمريكية للصين بتقديم دعم عسكري لإيران، وهو ما نفته بكين بشكل قاطع.
تشير الصحيفة البريطانية، في تقريرها، إلى أنه عند اندلاع الصراع في أواخر فبراير الماضي، رجح محللون أن تحقق الصين مكاسب سريعة، حيث تسببت الارتفاعات المتلاحقة في أسعار النفط، إلى إلحاق ضرر أكبر بالاقتصاد الأمريكي، مقارنة بنظيره الصيني، كما أدت الحرب إلى الإضرار بمصداقية الإدارة الأمريكية دولياً، واستنزفت مواردها العسكرية، وساعدت في تشتيت تركيز واشنطن بعيداً عن منطقة آسيا والمحيط الهادئ، حيث تمثل الصين التحدي الأبرز.
إضافة إلى ذلك، ساعدت الاحتياطيات الضخمة من الوقود الأحفوري، وتنوع مصادر الطاقة، في تخفيف أثر الصدمة النفطية على الاقتصاد الصينى، غير أن هذه المزايا لم تدم طويلاً، إذ بدأت مؤشرات الخطر تتصاعد مع استمرار الأزمة، أول هذه المخاطر يتمثل في تهديد أمن الطاقة، فعلى الرغم من امتلاك الصين احتياطيات كبيرة، فإن استمرار تعطل الإمدادات قد يؤدى إلى نقص فعلى في السوق المحلية، وقد بدأت بالفعل أسعار الوقود في الارتفاع، وهو ما قد لا يؤثر فوراً على الحياة اليومية، لكنه يهدد الخطط الاستراتيجية طويلة الأمد لبكين.
ويحذر خبراء من أن الأزمة الحالية قد تفرض على الصين إعادة النظر في حساباتها الجيوسياسية، خاصة فيما يتعلق بأي سيناريو مستقبلي بشأن تايوان، حيث يرتبط ذلك بشكل وثيق بإمدادات الطاقة، فالصين تعتمد بشكل كبير على النفط في قطاعات حيوية، مثل النقل والطيران، وهما عنصران أساسيان في قدراتها العسكرية، وتستورد بكين أكثر من 80% من النفط الإيراني، الذي كان يتدفق إليها بشكل مستقر، قبل بدء الإجراءات الأمريكية في مضيق «هرمز»، وتمثل هذه الواردات نحو 12% من إجمالي إمدادات النفط في الصين، ما يجعل أي اضطراب فيها ذا تأثير مباشر على الاقتصاد والأمن القومى.
أما الخطر الثاني، بحسب تقرير «الجارديان»، فيكمن في احتمال دخول الاقتصاد العالمي في حالة ركود نتيجة الحرب، وبما أن الاقتصاد الصيني يعتمد بشكل كبير على الصادرات، التي تشكل نحو خُمس الناتج المحلى الإجمالي، فإن أي تراجع في الطلب العالمي سيؤثر سلباً على معدلات النمو، ويرى خبراء أن الصين، التي بدت في البداية مستفيدة من انشغال الولايات المتحدة، أصبحت الآن أكثر رغبة في إنهاء الصراع، نظراً لتزايد كلفته الاقتصادية والاستراتيجية، فاستمرار الحرب لا يخدم مصالحها على المدى الطويل، بل يهدد استقرار البيئة الدولية، التي تعتمد عليها في نموها.
«بكين»: الإجراءات العسكرية الأمريكية فى المضيق ومنطقة الخليج «خطيرة وغير مسئولة»
ورغم هذه التحديات، لا تزال بكين تحاول استثمار الأزمة لتعزيز صورتها كقوة دولية مستقرة ومسئولة، في مقابل ما تصفه بـ«سلوك أمريكي تصعيدي»، وفى هذا الإطار، سعى الرئيس الصيني، شى جين بينج، إلى تكثيف لقاءاته الدبلوماسية مع عدد من القادة الدوليين، من بينهم رئيس وزراء إسبانيا، ورئيس فيتنام، ووزير خارجية روسيا، وولى عهد أبوظبي، وطرحت الصين، خلال تلك اللقاءات، مبادرة من أربع نقاط لحل الأزمة في الشرق الأوسط، دعت فيها إلى التهدئة واحترام القانون الدولي، دون توجيه انتقادات مباشرة للولايات المتحدة، كما أشارت تقارير إلى أن بكين لعبت دوراً في دفع إيران نحو قبول وقف إطلاق النار، رغم هشاشة هذا الاتفاق.
مع ذلك، يرى بعض المحللين أن منطق «القوة الصلبة» قد يمنح الولايات المتحدة تفوقاً في نهاية المطاف، إذ أظهرت قدرتها على حشد الدعم الدولي، وفرض شروطها على حلفائها، وتشير بعض التحركات، مثل سماح دول بمرور طائرات عسكرية أمريكية، واستضافة وفود من حلف شمال الأطلسي «الناتو»، إلى استمرار النفوذ الأمريكي على الساحة الدولية، وفى هذا السياق، تبدو الرسالة التي يتلقاها العالم واضحة، مفادها أن الولايات المتحدة، رغم التحديات، لا تزال قادرة على فرض إرادتها في النظام الدولي، وهو ما يضع الصين أمام اختبار حقيقي بين طموحاتها كقوة صاعدة، وقيود الواقع الجيوسياسي المعقد.
وتختتم الصحيفة تقريرها بالقول إنه بين مكاسب قصيرة الأجل، ومخاطر بعيدة المدى، تقف بكين أمام معادلة صعبة، حيث لم تعد الحرب في الشرق الأوسط مجرد أزمة إقليمية، بل تحولت إلى عامل حاسم في إعادة تشكيل توازنات القوى العالمية، مع ما تحمله من تداعيات عميقة على مستقبل الاقتصاد والأمن الدوليين.