من الحشد إلى الانكشاف.. كيف فقد تنظيم «الإخوان» معركته أمام وعي الشارع المصري؟

كتب: سهيلة هاني

من الحشد إلى الانكشاف.. كيف فقد تنظيم «الإخوان» معركته أمام وعي الشارع المصري؟

من الحشد إلى الانكشاف.. كيف فقد تنظيم «الإخوان» معركته أمام وعي الشارع المصري؟

لم تكن المواجهة مع تنظيم الإخوان الإرهابي خلال فترة وجوده في الحكم وما تلاها، مجرد خلاف سياسي تقليدي، بل تطورت إلى حالة اشتباك مجتمعي واسع شارك فيها المواطنون بمختلف فئاتهم، لتتحول إلى واحدة من أبرز لحظات الحراك الشعبي في مصر الحديثة، إذ تداخلت السياسة مع الوعي العام والأمن، وامتدت ساحات المواجهة من الشارع إلى المجال الرقمي.

من خلاف سياسي إلى حراك مجتمعي شامل


في البدايات، تجلت ملامح هذا الحراك في خروج أعداد كبيرة من المواطنين إلى الميادين تعبيرًا عن رفضهم لسياسات التنظيم الإرهابي، في مشهد عكس حالة احتقان متصاعدة، وشعورًا عامًا بوجود فجوة بين السلطة وقطاعات واسعة من المجتمع، ولم يكن هذا الغضب مدفوعًا فقط بعوامل سياسية، بل ارتبط أيضًا بمخاوف تتعلق بهوية الدولة وطبيعة نظامها، ما دفع فئات متعددة إلى التوحد في لحظة أعادت صياغة مفهوم المشاركة العامة.


ومع تطور الأحداث، لم يعد المواطن متفرجًا على المشهد، بل أصبح فاعلًا رئيسيًا في تشكيله، حيث لعب الشارع دورًا مؤثرًا في تغيير موازين القوى، وظهرت مبادرات مجتمعية مثل اللجان الشعبية التي ساهمت في حفظ الاستقرار خلال فترات الاضطراب ما بعد 2013، في وقت كانت فيه معركة موازية تدور على مستوى الفكر والإعلام، عبر تحليل وتفكيك الخطاب الذي تبنته الجماعة، خاصة فيما يتعلق بتوظيف الدين في المجال السياسي.


هذه المواجهة الفكرية أسهمت في إعادة طرح مفاهيم الدولة الوطنية، وتأكيد ضرورة الفصل بين الدين والصراع السياسي، في محاولة للحد من حالة الاستقطاب، كما لعبت وسائل الإعلام دورًا بارزًا في نقل هذا الجدل إلى الرأي العام، ما ساعد في تشكيل وعي أكثر إدراكًا لتعقيدات المرحلة.

الشارع واللجان الشعبية ودور المواطن الفاعل


ومع تصاعد العمليات الإرهابية في مرحلة لاحقة، دخلت المواجهة منحنى أكثر حساسية، إذ تحول المواطن إلى شريك مباشر في دعم جهود الاستقرار، من خلال الإبلاغ عن الأنشطة المشبوهة والتعاون مع الجهات المعنية، وهو ما عكس تحولًا مهمًا في العلاقة بين المجتمع ومؤسسات الأمن، وساهم في تقليص مساحة تحرك العناصر المتطرفة.


ومع تراجع حدة المواجهة في الشارع، برزت جبهة جديدة تمثلت في الفضاء الإلكتروني، حيث ظهرت «الكتائب الرقمية» كأداة لنشر الشائعات والتأثير على الرأي العام، وتعتمد هذه المجموعات على حسابات موجهة أو وهمية تعمل بشكل منظم على تضخيم الأزمات وتحريف المعلومات، وهو ما يمثل تحديًا متزايدًا في ظل سرعة انتشار المحتوى الرقمي وصعوبة التحقق منه.


في هذا الإطار، تنوعت أدوات المواجهة بين التشريعات المنظمة للفضاء الإلكتروني، والإجراءات الأمنية التي ركزت على تطوير قدرات الرصد، إلى جانب دور الإعلام في تفنيد المعلومات المغلوطة وتقديم الرواية الرسمية.


من جهته، يؤكد الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، ثروت الخرباوي، أنّ الصراع السياسي مع جماعة الإخوان الإرهابية لم يكن تقليديًا، بل هو صراع ممتد يتجاوز المواجهة الأمنية إلى معركة وعي، مشيرًا إلى أن الجماعة وأذرعها اعتمدت على ما وصفه بـ«إدارة الفوضى» كوسيلة للضغط، سواء عبر الحشد الجماهيري أو من خلال محاولات زعزعة الاستقرار.


وأضاف أن الحراك الشعبي لم يكن مجرد رد فعل، بل تعبير عن رفض مجتمعي لمحاولات فرض رؤية أيديولوجية بعينها، موضحًا أن هذا الرفض تطور إلى مشاركة عملية ساهمت في دعم الدولة وتقليص نفوذ الجماعات.


في السياق ذاته، يرى الباحث السياسي ماهر فرغلي، أن فهم طبيعة هذه المواجهة يرتبط بإدراك البنية التنظيمية للجماعة، التي تقوم على ما يُعرف بـ«التنظيم الموازي»، القادر على التغلغل داخل المجتمع عبر شبكات ممتدة، وهو ما منحها قدرة على التأثير لفترات طويلة، مشيرا إلى أن الجماعة الإرهابية بعد خروجها من السلطة، أعادت توجيه استراتيجيتها نحو أدوات جديدة، في مقدمتها الفضاء الرقمي، حيث تعتمد على الكتائب الإلكترونية لإعادة إنتاج خطابها ومحاولة التأثير على الرأي العام عبر الشائعات والتأثير النفسي المنظم، مؤكدا أن التعامل مع هذا النمط من التنظيمات يتطلب مقاربة شاملة، لا تقتصر على الحلول الأمنية، بل تشمل أيضًا تفكيك البنية الفكرية وتعزيز الوعي المجتمعي، باعتباره خط الدفاع الأول في مواجهة محاولات التأثير والاختراق.