إبادة الأسرى البطيئة.. عقيدة دولة
يحيي الشعب الفلسطيني في 17 أبريل من كل عام يوم الأسير الفلسطيني الذي أقره المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974 تكريما لنضال الأسرى داخل السجون الإسرائيلية، وفي ذكرى هذا العام يأتي يوم الأسير في ظروف وصفت بأنها الأخطر والأصعب في تاريخ الحركة الأسيرة، وسط تصاعد الانتهاكات الجسيمة وتزامنها مع إقرار الكنيست الإسرائيلى قانوناً يجيز إعدام الأسرى في قضايا معينة.
وفي كل عام، يأتي يوم الأسير الفلسطيني ليذكّرنا بما يجب ألا ننساه أصلاً: أن خلف القضبان حكاية وطنٍ كامل، وأن في الزنازين تختصر معاناة شعبٍ بأكمله، لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في غياب التذكير، بل في أن تتحول قضية الأسرى إلى موسمٍ عابر، تُرفع فيه الشعارات ليومٍ أو أيام، ثم تعود إلى هامش الاهتمام، كأنها تفصيل لا عنوان.
الأسر ليس مجرد احتجاز جسدي، بل محاولة منظمة لكسر الروح، ومحو الإرادة، وسلب الإنسان من ذاته.
واليوم، ما يعيشه الأسرى في سجون الاحتلال يفوق في قسوته كل ما مضى؛ مع تصاعد الانتهاكات، وسياسات التنكيل، والعزل، والإهمال الطبي، وصولاً إلى القتل البطىء والمباشر.
الأرقام وحدها تكشف حجم المأساة؛ أكثر من عشرة آلاف أسير فى سجون الاحتلال بينهم 86 أسيرة، و350 طفلاً ونحو 3500 معتقل إدارى بلا محاكمة، وأطفال يكبرون دون آبائهم، وفى العامين الأخيرين ارتقى أكثر من 83 أسيراً، فى مشهد يعكس سياسة ممهنجة لا تستهدف الأجساد فحسب، بل الكرامة الإنسانية ذاتها.
وتوثق منظمات حقوقية ودولية مثل «الضمير، مركز بتسيلم الإسرائيلى، المركز الفلسطينى لحقوق الإنسان، وتقارير الأمم المتحدة» تصاعداً غير مسبوق فى الانتهاكات منذ السابع من أكتوبر عام 2023، يبدأ بالتعذيب الممنهج من ضرب مبرح، تجويع متعمد، حرمان من العلاج، العزل الانفرادى، وعنف جنسى (بما فى ذلك اغتصاب واستخدام أدوات)، ووصف «بتسيلم» السجون بشبكة من معسكرات التعذيب، ووصفت المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيزى التعذيب بأنه «عقيدة دولة».
هذا فضلاً عن الإخفاء القسرى، حيث إن هناك آلافاً، خاصة من «غزة»، محتجزون دون زيارات أو معلومات لعائلاتهم، تلك الظروف التى يعيشها الأسير أشبه بالجحيم الحى، وسياسة عقاب جماعى مع تقارير متزايدة عن إصابات دائمة ووفيات.
الحركة الأسيرة التي تعتمد تاريخياً على الإضرابات عن الطعام والنضال الجماعى، تواجه مرحلة «الأخطر»، حسب بيانات «حماس» ومؤسسات الأسرى، وكان من أبرز التهديدات: قانون الاعدام الذى أُقر فى مارس الماضى، ويستهدف الأسرى المتهمين بقتل إسرائيليين (فى المحاكم العسكرية)، وهو تصعيد خطير يفتح الباب لإعدام قانونى، ولاقى ردود فعل دولية وأممية كبيرة كقانون تمييزى ومخالف للقانون الدولى. والأخطر من ذلك هو الاعتقال الإدارى والإخفاء القسرى الذى يسمح بحبس غير محدود دون محاكمة، كأداة رئيسية يتحكم بها الاحتلال الإسرائيلى كيفما يشاء.
لا أحد يلتفت لقضية الأسرى على قدر أهميتها وخطورتها ومعانيها الوطنية والرمزية، ورغم أن مصير الأسرى يعتمد على الضغط الدولى، فإن التجارب مع سياسات الاحتلال تجاه الشعب الفلسطينى تؤكد أن دولة الاحتلال لا تهتم لهذه الضغوط وهى مستمرة فى تصعيد سياساتها القمعية ضد الأسرى وبشكل أعنف، بل ازداد الأمر ليدخل فيه عامل الانتقام وبكل قوة، قانون الإعدام الجديد والتصعيد يزيدان من خطر «الإبادة البطيئة» عبر التعذيب، لكن وسط كل هذه الظروف القاسية والمعاناة الطويلة تظل الحركة الأسيرة رمز مقاومة، وتحتاج دعماً شعبياً ودولياً أوسع لتجنب المزيد من الخسائر.
ما يجرى بحق الأسرى ليس معزولاً عن سياق أشمل، إنه جزء من منظومة قمعية تسعى لكسر إرادة الشعب الفلسطينى، وتحويل حياة الأسرى إلى جحيم، خاصة فى ظل الحديث عن تشريعات كـ«قانون إعدام الأسرى»، الذى يعكس عقلية انتقامية تسعى لتصفية القضية من جذورها. لكن التجربة أثبتت أن السجون لم تكن يوماً نهاية الحكاية، بل كانت دائماً مصنعاً للوعى ومدرسة للصمود.
قضية الأسرى ليست قضية هامشية، بل هى جوهر النضال الوطنى منذ عقود، تؤثر فى تعزيز الوحدة الوطنية، توحد الفصائل وتجمعهم فى بوتقة الهدف والمصير، لكن ذلك غير كافٍ لردع الاحتلال الإسرائيلى وسياسته المدروسة تجاه تعذيب الأسرى، رغم الضغوط الدولية والدعوات لمقاطعة شركات متورطة فى السجون، وتحذير الأمم المتحدة ومنظمات مثل «هيومن رايتس ووتش وأمنستى» من مخاطر التصعيد الإسرائيلى ضد الأسرى، والتهديد برفع القضية إلى مستوى جرائم حرب محتملة، إلا أن إسرائيل لا تكترث كثيراً بهذه التهديدات ولا تلتفت للتقارير التى تخرج عن تلك المنظمات الوازنة فى حقوق الإنسان.
مثال حي على بطش وغطرسة الاحتلال فى التعامل مع الأسرى وإذلالهم وإهانتهم المستمرة يتجسد فى معاملة إدارة السجن للقائد مروان البرغوثى وآخرين، وتعمدها إهانتهم والتنكيل بهم وتجويعهم وتصعيد أساليب التعذيب، رغم أن القائد البرغوثى له مكانة دولية وكان خروجه شرطاً أساسياً فى أى اتفاق سلام أو تهدئة، والتصعيد الذى تنتهجه إسرائيل يعمق الاستقطاب ويصعّب أى حل سياسى.
الاحتلال يظهر كنظام قمع، مما يعزز الرواية الفلسطينية عالمياً، لكنه يزيد من معاناة العائلات ويؤثر نفسياً على المجتمع، وفى النهاية ستظل الحركة الأسيرة شاهداً حياً على الاحتلال مهما حاول طمسها، إلا أن استمرار الانتهاكات يجعل مصيرها مرتبطاً بمدى الالتزام الدولى وإمكانية إجبار إسرائيل على الرضوخ للقانون الدولى الخاص بحقوق الإنسان، والإفراج عن كل الأسرى يبقى مطلباً وطنياً أساسياً، وأى تقدم فى القضية الفلسطينية يمر حتماً عبر إنهاء هذه المعاناة، الشعب الفلسطينى مكافح يجدد العهد مع أسراه بأن «الحرية قادمة لا محالة».