«الأوقاف» تصحح عبارة شائعة: «لا حياء في الدين» خاطئة.. والصواب «لا حرج»
«الأوقاف» تصحح عبارة شائعة: «لا حياء في الدين» خاطئة.. والصواب «لا حرج»
كتب- أحمد محيي:
في ظل التحولات الفكرية والسلوكية المتسارعة، تبرز الأخلاق والقيم كإحدى خطوط الدفاع عن استقرار المجتمعات وتماسكها، ويأتي خلق الحياء في مقدمة هذه القيم التي تضبط سلوك الإنسان وتوجه أفعاله، ومع تراجع هذا الخلق ترددت التساؤلات حول أثره على الفرد والمجتمع، وما إذا كان غيابه يمثل بداية لانهيار منظومة القيم.
الحياء معيار الانضباط السلوكي
وفي هذا الصدد، أوضحت وزارة الأوقاف المصرية، أن الحياء يعد خلقا محوريا في الإسلام، يضبط السلوك الفردي والجماعي، ويشكل معيارا دقيقا للتمييز بين الصواب والخطأ، مستشهدة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ» رواه مسلم، وكذلك قوله: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» أخرجه البخاري، مؤكدة أن وجود الحياء يمنع الإنسان من المجاهرة بالخطأ أو التمادي فيه، بينما يؤدي غيابه إلى فوضى سلوكية وفقدان الضوابط الأخلاقية التي تحفظ توازن المجتمع.
التيسير في الدين لا يلغي الحياء
وفي ضوء ما يثار حول علاقة الحياء بطلب العلم، أكدت وزارة الأوقاف أن العبارة الشائعة «لا حياء في الدين» غير صحيحة، والصواب «لا حرج في الدين»، مشددة على أن هناك فارق كبير بينهما، مستدلة بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ یُسۡرًا * إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ یُسۡرࣰا﴾ [الشرح: ٥-٦]، والحديث الشريف: «أَنَّهُ مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا» متفق عليه، موضحة أن الإسلام يقوم على اليسر ورفع الحرج، دون أن يتعارض ذلك مع خلق الحياء الذي لا يمنع التعلم ولا السؤال، بل ينظم العلاقة بين العلم والسلوك.
المجاهرة بالمعاصي وطمس القيم
وفي هذا السياق، حذرت الأوقاف من خطورة المجاهرة بالمعاصي، مؤكدة أن الحياء يمنع الإنسان من التفاخر بالذنب أو نشره، مستشهدة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ» متفق عليه، مشيرة إلى أن بعض المفاهيم المغلوطة تحت مسمى الحرية تساهم في تطبيع السلوكيات المنحرفة، وهو ما يتنافى مع القيم الإسلامية، ويخالف قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: 19].
غياب الحياء وأثره على المجتمعات
وأشارت الوزارة، إلى أن غياب الحياء لا يقتصر أثره على الفرد، بل يمتد إلى المجتمع والدول، حيث يؤدي إلى اضطراب المعايير، وانتشار الكذب، وتزييف الحقائق دون أي رادع أخلاقي، موضحة أن هذا الانحدار السلوكي يفتح الباب أمام انهيار منظومة القيم، ويضعف قدرة المجتمعات على الحفاظ على توازنها واستقرارها.
تصدر غير المؤهلين وضرورة التربية
ولفتت إلى أن تصدر غير المؤهلين للمشهد العام، يُعد من أخطر نتائج غياب الحياء، مستشهدة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ، قِيلَ: يًا رَسُولَ الله، وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ قَالَ: «الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ» رواه أحمد في مسنده، مشددة على أن الحل يكمن في التربية المستمرة، وغرس القيم منذ الصغر، بما يضمن بناء وعي مجتمعي قادر على مواجهة مظاهر الانحراف الأخلاقي.