النفس ولعبة الضغط
الضغوط المعيشية تعد من العوامل المهمة التى تؤدى إلى القلق والتوتر، ثم إلى الاكتئاب فى مرحلة لاحقة، بل وقد تدفع الواقع تحت طائلتها إلى ما هو أبعد من ذلك.. فهل كانت الظروف المعيشية السائدة، خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة من القرن العشرين، أفضل من الظروف المعيشية للعقود الثلاثة الأولى من القرن الحادى والعشرين، ما يفسر لنا لماذا ارتفعت نسبة من يعانون من الأمراض النفسية خلال القرن الجديد، حتى بلغت في مجتمع مثل مجتعنا نسبة 25% من السكان؟
من عاصر حقبتى الستينات والسبعينات وما بعدهما من القرن الماضى يتذكر جيداً أننا كنا نعيش ظروفاً معيشية صعبة، كان الآباء والأمهات -أبناء العشرينات والثلاثينات من القرن الماضى- يصفون الأيام بأنها «أيام فقر»، ارتفعت فيها الأسعار، وشح فيها الرزق، وتعقدت فيها أمور الحياة.
السلع خلال هذه الفترة كانت شحيحة وغير متوافرة فى أغلب الأحوال، وأغلب الناس لا تملك سيولة نقدية تساعدها على شراء ما تريد بأريحية، ويلزم -لكى تشترى أى شىء- أن تقف فى طابور «الجمعية الاستهلاكية» كى تحصل عليه، علاوة على ذلك كانت الخدمات متردية بصورة واضحة، فالمياه «مقطوعة» أغلب الوقت، ولا يمر يوم دون أن تنقطع الكهرباء، وخدمات التليفون متردية، والمواصلات زحام، والأهم من كل ذلك أننا عشنا حربين خلال حقبتى الستينات والسبعينات، الأولى سنة 1967، وتمكنت فيها إسرائيل من احتلال سيناء، ثم حرب أكتوبر 1973 التى انتصرنا فيها وبدأنا رحلة تحرير الأرض.
كل هذا عاشه المصريون الذين عاصروا الستينات والسبعينات، ورغم ذلك لم نكن نسمع عن حالات انتحار أو حالات وجع نفسى بالنسبة أو بالوتيرة التى نعرفها خلال السنوات الأخيرة.
من الثابت أن الأسعار ارتفعت كثيراً خلال العقد الأخير، وبات الناس يعانون من الغلاء أشد المعاناة، أضف إلى ذلك تراجع القيمة الشرائية للجنيه، لكن ذلك لا يعنى أن الضغوط المعيشية خلال القرن الجديد تعد عاملاً طارئاً أو جديداً على حياة الناس، فحقيقة الأمر أن كل عصر وله ضغوطه المعيشية وأوجه معاناته.
في ضوء ذلك يتوجب علينا أن نسأل: ما دامت الضغوط المعيشية قاسماً مشتركاً بين العصر الحالي والعصر الذي سبقه لماذا ترتفع نسبة المصريين الذين يعانون من اضطرابات نفسية حالياً؟
الإجابة بسيطة جداً فالضغوط المعيشية التى عانى منها المصريون خلال القرن الماضى لم تكن مصحوبة بضغوط نفسية أو تطلعات استهلاكية.. فى حين أنها كذلك خلال العقدين الأخيرين.. زمان كانت الزوجة حين يشكو لها زوجها من ضيق ذات اليد تحتويه وتبشره بأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين وأنه لا ينسى عباده، وتجتهد فى أن تقنع أولادها بالتعامل مع الواقع، والواقع نفسه لم يكن فيه ما يغرى بالتطلع، فالفروق بين الأسر فى معطيات المعيشة: الطعام والشراب والسكن والمدرسة والجامعة والانتقال والملبس لم تكن كبيرة، لأن أغلب البضائع المتاحة فى ذلك الوقت كانت صناعة محلية أو «تجميع محلى»، لم تكن المغريات المتاحة حالياً معروفة: الموبايل الذكى بأشكاله وألوانه وماركاته، والبراندات، لم يكن هناك مدارس خاصة -إلا قليلاً- أو دولية، أو جامعات خاصة أو أهلية، كل هذا وغيره لم يكن معروفاً فيما سبق، وبالتالى لم تكن هناك أى ضغوط نفسية على الفرد، وكانت الحياة تسير.. أما اليوم فالضغوط والتطلعات تخلخل القدرة النفسية على الاحتمال.