طبول الحرب

(1) علامات عودة الحرب في الخليج لا تزال قائمة بقوة. نعم هناك كوابح تجعل الأمريكيين والإيرانيين يحاولون تجنّب هذه الخيارات الكريهة، لكن هناك عوامل قاهرة تفرض نفسها في اتجاه اشتعال النار من جديد، مثل جنون ترامب ووسوسة نتنياهو وكل من يرى في استمرار نظام الحكم الحالي في إيران خطراً داهماً عليه.

مثلما هناك أشياء تحت الطاولة في اتجاه محاولة إنجاح التفاوض، توجد أشياء خلف الستار في اتجاه إفشاله، لأن أصحاب المصالح في تجدّد الحرب، والذين يعملون في الخفاء، لهم وزنهم في القرار.

لقد فتحت إيران مضيق هرمز من مسار محدّد خلال الفترة المتبقية من وقف إطلاق النار، والمقدّرة بأسبوعين، وتوقف إطلاق النار في لبنان، وأعلن عن اقتراب موعد جولة تفاوض إيرانية أمريكية ثانية في إسلام أباد.

وكانت الأمور تمضي في اتجاه تهدئة، قد تقود إلى اتفاق دائم بين طهران وواشنطن، فقفز شيء فجأة إلى رأس ترامب المضطرب، أو وسوس له نتنياهو، أو كان الرئيس الأمريكي يمارس الخداع كعادته بطرق جديدة، فأعلن استمرار حصار موانئ إيران، فما كان منها إلا أن أغلقت المضيق مجدداً.

(2) ما يطرحه نتنياهو ليس أبداً «شرق أوسط جديد» إنما هو الشرق الأوسط القديم الأكثر ظلماً وتوحشاً، الذي يريد فقط أن يحول «المجال الحيوي» إلى «مجال خاضع».

فمنذ ستينات القرن العشرين والإمبراطورية الأكثر همجية في التاريخ بعد انكسار المغول، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، حريصة على ترتيب كل شيء في الشرق الأوسط على مقاس المصلحة الإسرائيلية، باعتبار تل أبيب حاملة طائرات أمريكية، أو الترجمة العملية لأساطير المسيحية الصهيونية، أو التكفير عن عار أوروبا في اضطهاد اليهود في وقت كانوا يتمتعون فيه بحياة طيبة بالعالمين العربي والإسلامي.

يقوم الشرق الأوسط الجديد مع تغيير هذا بتراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة، واقتناع إسرائيل بأن أفكار نتنياهو وهم كبير، وهذه مسألة يُمعن كثير من الخبراء النظر فيها الآن، متسائلين: هل الخليج العربي 2026 سيُخرج أمريكا من المنطقة مثلما أخرج خليج السويس 1956 بريطانيا منها؟

(3) أقل وعي ودراية بالتاريخ تبين أن إسرائيل إن لم تكن موجوعة بمواصلة القتال في جنوب لبنان، فلا يمكنها قبول هدنة.

منذ متى كانت إسرائيل تُشفق على الودعاء من أمثال حكومة لبنان، ورواد جزيرة أبستين؟!

منذ متى كان في تاريخ إسرائيل رحمة؟

لا يفهم هؤلاء إلا مقاومة تشعرهم بأن سلاحهم الحديث جداً لا ينال من عزيمة الرجال.

منذ متى وهم يعتقدون أن التقرّب إلى إله يتصورونه ويتوهمونه لا يكون إلا بالقتل والتدمير؟

أليست هذه نصوصهم التي يتغافل عنها البعض منا..

ليُمرروا الخضوع والخنوع في رداء التسامح؟

(4) من الصعب، بل من المستحيل، أن يتّخذ ساسة قرارات، ويبني محللون تصورات، ويُحدد خبراء تقديرات، حيال أداء رجل مثل ترامب، يكذب في اليوم 21 مرة، حسب إحصاء صحيفة «واشنطن بوست».

رجل يناقض نفسه في العبارة الواحدة، والبعض يعتبر هذا تمويهاً أو خداعاً حربياً، لكنه في الحقيقة أحد أعراض مرض عقلي ونفسي واضح.

من الحماقة أن يُعطى مجنون فرصة واسعة هكذا لإيذاء العالم بما تحت يده من ترسانة عسكرية هائلة، لاسيما إن كان خاضعاً لابتزاز يفقده إرادته.

(5) مطالبة «جي ستريت» الأمريكية، وهي أقوى جماعات الضغط في الولايات المتحدة، بقطع أربعة مليارات دولار مما تقدّمه واشنطن لإسرائيل، ليس بالأمر الهين.

تحولات الأمريكيين التي صارت ترى إسرائيل عبئاً وليست ميزة ماضية في طريقها، ونتائجها متوالية، وانعكاساتها على منطقتنا مستقبلاً مستمرة.