القانون.. ومأساة الطلاق الشفهي

سحر الجعارة

سحر الجعارة

كاتب صحفي

لا بد من التعامل مع قانون الأحوال الشخصية باعتباره قائماً على علاقة إنسانية تنظمها الأديان وتحكمها «القوانين»، كل المظالم في الحقوق والواجبات بين الزوج والزوجة وقعت بعيداً عن القانون.. قال الله تعالى: «وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا» (النساء: 34)، كل ما ورد في الآية الكريمة مختلف في تفسيره لا أحد يعلم المعنى الحقيقي للنشوز ولا العظة.. أما الضرب فهو خاضع للتربية والثقافة والطبقة الاجتماعية.. وبالتالي فكل ما ورد في هذه الآية يتم بعيداً عن أعين الرقباء لا دخل للقانون فيه ولا حتى للحكم من أهل الزوجة أو الزوج.. ما أود الوصول إليه أن «القانون» هو كل ما يمكن معاينته ومعايشته ومعرفته الواضحة عن العلاقة الزوجية.. فعندما نقول «الضرب» كسبب للطلاق فنحن نتحدث عن ضرب وصل ضجيجه إلى قسم الشرطة.

وبالتالي لا بد أن يكون «قانون الأحوال الشخصية» نتاج صيغة مجتمعية اتفقت عليها الأغلبية في حوار مجتمعي يراعي مصلحة الطفل أولاً ثم الزوج والزوجة.

قاموس الزواج المصري لا يعرف الآية الكريمة: «وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ» (سورة البقرة: 229)، الزواج في مصر «إمساك» بقوة القانون، أو بالقهر والضرب والإذلال.. أما الطلاق فلا يعرف «الإحسان»، إنه معركة حربية يستبيح فيها أهل الزوجين كل الطرق غير المشروعة للتنكيل بالآخر، من: «قائمة المنقولات، النفقة، المؤخر، منزل الزوجية، حضانة الأطفال».. والغريب أن كل طرف يقول: حقي شرعاً وقانوناً!


ثم فجأة يتحول الطفل، الذي تكوَّن من امتزاج دماء الزوج بالزوجة، إلى «ورقة مساومة»، وكأنما جلس الطرفان على طاولة قمار، يعبثان بنفسية الطفل ومصيره، وأسلوب تربيته وتعليمه.. إنه الورقة الأخيرة في معركة الثأر والعناد الذي لا تبدده عشرة ولا لحظة دفء جمعت الزوجين في فراش كان قمة سترهما.

صحيح أن التعنت بين المطلقين من الجانبين، وأن المرأة تدوخ على أبواب المحاكم لتحصل على حكم «النفقة».. لكن كيف يطاوعها قلبها أن تربي ابنها «شبه يتيم»؟ قانون الأحوال الشخصية قديم منذ 1929، وتم تعديله كثيراً، وأصبح مليئاً بالثغرات والعيوب، ونحن لا نريد قوانين (ذكورية أو نسوية)، نريد قانوناً عادلاً منصفاً يراعي مصلحة الطفل ونفسيته في المرتبة الأولى.

مشروع القانون يكتمل إذا ربطنا «الاستضافة» بالإنفاق الطوعي، وإذا لم يكن للأب سوابق إجرامية تهدد بخطف الطفل أو تهريبه خارج مصر، ومن الممكن إعطاء الأم الحق في وضع الأطفال على قوائم الممنوعين من السفر أسوة بالأب، لتشعر بالأمان والاطمئنان على طفلها.

الاستضافة ليست حقاً للأب بقدر ما هي حق الطفل نفسه، فإذا كانت سن الحضانة تصل إلى 15 سنة، فكيف نتصور «مراهقاً» يتربى من دون أب يمر معه بتلك المرحلة الحرجة!

أنا لا أتصور قانوناً جديداً للأحوال الشخصية يصدر في ظل حكم الرئيس «عبدالفتاح السيسي» ويغفل مأساة «الطلاق الشفهي».. لا بد من وقف الطلاق الشفهي، والاقتداء بما تفعله أغلب الدول الإسلامية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، التي ألغت الطلاق الشفهي، وأصبحت تعتد فقط بالطلاق الكتابي، علماً بأن المرأة لا تحاول أن تُنهي الخلافات الزوجية مع شريك حياتها بالطلاق، خوفاً من تبعات كثيرة، لذا فهي تحاول دائماً الحفاظ على الأسرة، عكس بعض الرجال، وبعض السيدات الذين يفضلون الطلاق على استمرار الزيجة.

لقد صدرت آراء صادمة في فبراير 2017، عندما طرح الرئيس قضية الطلاق الشفهي للنقاش كانت جميعاً رافضة لعدم الاعتداد به، وكان لا بد على هؤلاء أن يتنبهوا لما كتبته في مطلع المقال: أن «الزواج علاقة إنسانية» قائمة على الدين والقانون، بمعنى أنه لا أنا ولا شيخ المسجد القريب الذي يفتي وحتى دار الإفتاء والأزهر الشريف نعلم شيئاً عن علاقة الزوجين، ويمكن لأي معدوم ضمير أن يوقع يمين «طلاق شفهي» عشر مرات وتظل زوجته في عصمته بـ«القانون». هناك من أهل الذكر يقول بأن المتزوجين رسمياً يطلقون رسمياً مثل الشيخ «جاد الحق علي جاد الحق» شيخ الأزهر الأسبق.

«أفلا يعقلون».. لماذا هذا التعنت في هيمنة العمائم على مصائر العباد؟؟ لماذا نصر على فرض «سلطة وهمية» على زوجين يدخلان الفراش بإرادة منفردة عن الشيخ والقس والكاهن والمؤسسات؟؟

«دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر».. مهما تسلطت العمائم على الإنسان فهو «حر» رغماً عن إرادة أكبر كاهن، القانون فقط هو ما يمنعه عن فراش زوجته إذا طلق لثلاث مرات.

ودعوني أذهب أبعد قليلاً في تركيا وهي دولة مسلمة لا يقع الطلاق إلا في المحكمة بحضور ورغبة الطرفين، نعم في مصر تعنت في استخدام الرجل لحق الطلاق، وهو ما يجعل القضايا مكدسة في محكمة الأسرة: إن فكرة تطليقها غيابياً وعودتها لعصمته (إذا طاق النظر إليها) كارثية.. لا بد من فتح باب الاجتهاد من السادة قضاة مصر الشرفاء الذين يقع على عاتقهم هم الأسرة في محكمة الأسرة. كفانا تحريماً للحلال للبقاء راضخين للسلطة الدينية!

المقال القادم: هل امرأة واحدة لا تكفي؟