زعماء الطوائف والمريدون

أمينة خيرى

أمينة خيرى

كاتب صحفي

رحل «الدكتور» ضياء العوضي تاركاً وراءه عشرات الأسئلة التي تبحث عن إجابات. الأسئلة المهمة لا تتعلق بنظام غذائي عجيب، أو بنظريات طرحها دون سند أو حجة، فقط طريقة «مثيرة» في الأداء. وبقدر الانزعاج والغضب لما يمكن أن تكون أفكار الراحل قد سببت من أضرار لمن ساروا في ركبه، وآمنوا وصدقوا ما يقول، إلا أن ما يتركه العوضي لنا حاجة ماسة لفهم ماذا جرى لنا.

مرة أخرى، الغرض ليس مناقشة محتوى نظامه الغذائي، أو انتقاد صراخه في وجوه المتابعين الذين أدمنوا «التهزيق» والصوت العالي، أو حتى قيامه بزج نظرياته المرتدية عباءة الدين وسط الصياح، وكالعادة تحقير المرأة وازدرائها. الغرض البحث عن الأسباب والعوامل التي تجعل أشخاصاً في كامل قواهم العقلية يقعون أسرى لأفكار وأساليب سأصفها بـ«المريبة» احتراماً لسيرة من رحل عنا.

رحل العوضي، لكن العوضي فكرة، والأفكار لا ترحل. وما يمكن رصده من خلال السوشيال ميديا هو أن أتباع الفكرة ومريديها ومعتنقيها يملأون الأثير دفاعاً عنها، ولا يكتفون بذلك، بل يعيدون نشر تفاصيلها، وكأنهم في صراع مع الزمن من أجل الإبقاء عليها حية تُرزق بعد رحيل صاحبها. هذا بالطبع بالإضافة إلى الدفاع المستميت عنه، لا لأسباب علمية أو منطقية، ولكن دفاعاً عمن آمنوا بـ«رسالته».

انتقاد أفكار، وتفنيدها علمياً، ومناقشة جدواها يختلف عن توجيه طعنات كلامية للرجل، أو السخرية منه، أو التنمر عليه. وحين تجد من تهتز أوصاله وترتعد لمجرد سماع اسمٍ ما يتردد، يقدسونه أو يجلونه أو يمجدونه، قبل أن يصل الكلام إلى العقل، فهذا يعني الوقوع تحت تأثير نفسي كبير. المجتمعات التي تشهد الكثير من ادعاء البعض النبوة، أو من يقدمون أنفسهم باعتبارهم مؤسسي طائفة دينية جديدة، ويقرون بذلك ولا يعتبرونه سبة، بل ظاهرة يجب دراستها، وأحياناً مرضاً يستوجب العلاج، يُجرون دراسات لفهم التركيبة النفسية التي تدفع «أدعياء النبوة» للاعتقاد بأنهم أنبياء، أو تعمل على كشف النصابين منهم، وكذلك الأسباب التي تجعل البعض يؤمنون بهم، وبينهم متعلمون ومثقفون.

العديد من هذه الدراسات اتفقت على أن قادة الطوائف وأدعياء النبوة يمارسون سيطرتهم على مريديهم من خلال مزيج من التلاعب النفسي والاجتماعي، وأحياناً الجسدي. هؤلاء عادة يتمتعون بالكاريزما، والنرجسية، ويخلقون ما يسمى بـ«بيئة شمولية» حيث كلمتهم هي القانون المطلق. منهم من يستخدم أدوات مثل التحكم في المعلومات التي يصدقها الأتباع، فلا يسمح لهم إلا بالوثوق فيما يقول «النبي» أو «قائد الطائفة» إنه جدير بالثقة، ومنهم من يستخدم أدوات التحقير والترويع، فالنساء، مثلاً، ناقصات أو نجسات أو كائنات غير كاملة، أو من يأتي تصرفاً لم يوافق عليه أو يتشكك في معلومة أو نظرية يطرحها هو زنديق أو ملعون أو غبي، وهلم جرا.

وغالباً يلجأ «أدعياء النبوة» إلى مبدأ «نحن مقابل هم»، وهو ما يعطي «نحن» إحساساً رائعاً بالانتماء والقوة، ويسبغ «هم» بنعوت الدونية والقبح والمصير المظلم.

ونحمد الله كثيراً أن الراحل لم يكن يرتدي عمامة، وأنه اكتفى بالزج بالدين فيما ينشر من أفكار في حيز محدود نسبياً، وإلا اتُّهم المشككون في قواه العقلية أو صحته النفسية أو أغراضه بالكفر والإلحاد.

اتباع البعض من المصريين لمثل هذه الأفكار بهذه الطريقة الأصولية يحتاج دراسة وتشخيصاً وعلاجاً، لا سيما أن الأرض ولادة، وسيخرج علينا الآلاف ممن ينشرون «أفكارهم» ويكتسبون مريدين يتحولون إلى «ألتراس» أصوليين.

وعلى ذكر الأصولية، فإن ما تقوم به وزارة الثقافة في بعض محطات مترو الأنفاق من عروض فنية غنائية وموسيقية من أفضل ما رأيت من سبل مواجهة الأفكار الأصولية والمتشددة والمتطرفة التي هبّت على مصرنا الحبيبة منذ سبعينات القرن الماضي، وما زالت تهب، بل يمكن القول إنها تقاتل حالياً من أجل البقاء، وهو قتال شرس تدور رحاه على أثير السوشيال ميديا تارة، وفي قاعات الدرس وغيرها عبر الجيل الثاني ممن تربى في كنف «الصحوة» بمفهومها السبعيناتى المستورد. ونرى آثاره واضحة جلية في الشارع، حيث المظهر الغارق في التشدد، والمحتوى الذي يعاني شحاً أخلاقياً وانهياراً سلوكياً شديداً.

هذه العروض تُسعد الغالبية، لكنها أيضاً تنغص حياة البعض، وتعليقات السوشيال ميديا الساخرة المتنمرة الكارهة للحياة المعتنقة الفكر الظلامي بغرابيبه السود كاشفة.

ضبط زوايا المجتمع عملية شاملة متكاملة. معلوم أن العديد من الجهات والجماعات والجمعيات والأفراد تقاوم ضبط الزوايا، بل تعمل على المزيد من اعوجاجها، لكن التغيير يستحق المثابرة، ولكن علينا أن نبدأ.

كلمة أخيرة: «الحيطة المايلة» التي يتجاذبها المتطرفون والمنفتحون والمثقفون والجهلاء والمتعلمون والأميون والباحثون عن دور والمفتقدون قيمة ومكانة والمفسرون للدين بحسب أهوائهم والمؤمنون بنظرية أن المرأة مصرف للرجل ومن يتخذون منها حلبة للملاكمة بين من يعتقدون أنهم حماة الدين وحماة الدولة المدنية وغيرهم، كفى.