عزيزي «المحترق»

رحاب لؤي

رحاب لؤي

كاتب صحفي

«أنت مصابة باحتراق نفسي» قالها لي الطبيب النفسي حين زرته أشكو أمراٌ عجيباٌ جداٌ، قلت له: «لم أعد أحتمل.. لم يعد لي صبر ولا عاد لديّ طاقة، أغادر فجأة وأضرب بكل شيء عرض الحائط». طلب مني أن أواصل الحكي فوجدتني أتذكر فجأة كل تلك المواقف والحالات التي اعتدت فيها أن أحتمل ما لا يحتمله غيري، ثم قفزت إلى ذهني تلك الجملة التي سمعتها مرة من شخص لم تكن تربطني به إلا علاقة معرفة من بعيد حين قال: «أنتِ جبل... مفيش حد استحمل أو كمّل في اللي انت كملتي فيه!».


استغرق الطبيب وقته حتى قال لي بهدوء وثبات من يعرف حقاً عما يتكلم: «أنت مصابة باحتراق نفسي شديد». تصورت أنه سيشخصني بالاكتئاب أو ربما واحدة من تلك المشكلات النفسية التي صارت شائعة، لكنه جاء بأمر لم يخطر لي ببال، مسألة كنت أتأملها من بعيد وأظن أنها تحدث للآخرين فقط.. ليس لي.. لست أنا من تحترق نفسياً، لكن وللمفاجأة، الجميع قابل للاحتراق!


كخبيرة في الأمر يمكنني أن أصف بدقة ما يجري، في البداية لن تتصور لحظة أنك قد تحترق نفسياً، سوف تستجمع في عقلك كل تلك الأمور التي تريحك وتساعدك على استعادة نفسك، وتطمئن بها أنك لن تكون يوماٌ من هؤلاء الذين يعتصرون عقولهم من أجل فكرة، أو ربما يفوتهم «الديدلاين» بأريحية وهم يتأملونه من بعيد كغرباء، ثم يحدث الأمر ببطء وبالتدريج، تشعر أن شيئاٌ ليس على ما يرام، لست بخير، لكن تستخدم المساومة: سأخرج وأكون بخير، سأقابل صديقاٌ وأصبح أفضل، سوف أشاهد فيلمي المفضل، سوف أشرب قهوتي اللذيذة في الهواء الطلق، سوف أتشقلب في الهواء وسيصير كل شيء على ما يرام في النهاية. لكن مهلاٌ.. أنت تحترق في صمت.


لا يحترق الناس نفسياً فجأة، هناك تراكمات، وما لا يجيء فجأة لا يذهب بغتة، وإن أردت حقاً أن تتعرف على الأمر عن قرب، فثمة مقياس لا يخطئ، أو بالأحرى سؤال إجابته ستحدد أين أنت على خط الاحتراق، أما السؤال فهو: «بأي سرعة تعود إلى لياقتك عقب الشعور بالضغط أو التعب؟».


يحدث أن يتعرض الناس لمشكلات في حياتهم، ويحدث أن يحاولوا الخروج من تلك الحالة بالطريقة الملائمة، لكن الكثيرين لا يعودون، وإن عادوا فهم يعودون مع بطء في التفكير، وتأخير في اتخاذ القرارات وشعور مرعب بأن كل شيء صار ثقيلاٌ جداٌ، حتى تلك الأمور التي كنت تنجزها في أوقات قياسية، هذه كلها علامات خطر، النقطة التي أتحدث عنها هنا ليست «كم من الوقت تعمل؟» ولكن «كم تستغرق من الوقت كي تفيق من الضغط وتخرج من الشعور بالبطء وعدم الكفاءة؟ وإلى أي مدى تغرق في الأخطاء؟». أنت نفس الشخص، تبذل نفس المجهود، لكن الأمر الذي كان يؤرقك لدقائق.. صار يُغضبك لأسابيع، هنا تبدأ الدائرة الجهنمية للاحتراق، حيث يعوض المحترقون نفسياً شعور البطء بالعمل لوقت أطول وبذل المزيد من الجهد، يشبه الأمر موتور سيارة انتهت صلاحية «الزيت» داخله، وأنت تقوده في رحلات أطول بسرعات أكبر، هكذا تتواصل الدائرة المغلقة لسنوات لاحقة حتى تبدأ علامات الخطر بحسب موقع «سيكولوجي تو داي»، حيث يقول استشاري الصحة النفسية ديميان سالاس: «سوف تجدك ترد بشكل أبطأ، أبسط القرارات صارت بحاجة لاجتماعات كبيرة، تتحول أنت نفسك من شخص منجز إلى «عنق زجاجة» بالنسبة للآخرين، تشعر أن أي مهمة جديدة تخنقك، وتستغرق المشكلات الصغيرة أياماٌ حتى تتمكن من حلها أو تخطيها».


إذن، وحتى لا نتعرض للخداع الذاتي، فالسؤال دائماٌ ليس «بماذا أشعر؟» ولكن «كم أستغرق من الوقت حتى أعود لطبيعتي؟» والأكيد أن الحل لن يكون ابداٌ جملاٌ من عيِّنة «شد حيلك» أو «خذ إجازة كافية». في الواقع هذا يزيد الأمور سوءاٌ، ولكن الحل الحقيقي في مجموعة من الخطوات «السحرية»، حلول علمية وعملية، وهذا موضوع آخر يتناوله المقال القادم.