إسرائيل وتجنيد الحريديم (3)

فضلاً عن الحريديم هناك أصوات برزت في إسرائيل منذ انطلاق «طوفان الأقصى» لترفض الحرب في غزة في اعتراض على نهج حكومة بنيامين نتنياهو في إدارة دفة الأمور، بدأت بكتّاب ومحللين يساريين، ثم كتل سياسية كانت تنادي بالسلام، تساوقت في البداية مع الحرب، ثم بدأت تتمايز تدريجياً مع ارتكاب الجيش الإسرائيلي «إبادة جماعية»، فضلاً عن تعثره في تحقيق انتصار سريع كما كان يظن. واتسع الأمر ليشمل أسر الأسرى الإسرائيليين لدى المقاومة في غزة، وعلى التوازي ارتفعت أصوات المعارضة السياسية التي تسجل نقاط سلبية على الحكومة في سبيل حيازة السلطة، وفق المسار السياسي المعروف.


لكن هذا الاعتراض المتنامي يمضي في اتجاه اعتادته إسرائيل في حروبها السابقة، وكانت الحكومة لديها من الخبرة والملاءة والسند المشروع، حسب القوانين والتقاليد الإسرائيلية، ما يمكِّنها من التعامل معه، وتجاوزه، خصوصاً أثناء جريان الحرب.


في خلال الحرب على قطاع غزة واجهت إسرائيل أمرين غير مسبوقين، الأول أن الجيش ذهب إلى الحرب، بينما استطلاعات الرأي كانت تقول إن أغلبية الشعب الإسرائيلي ليست مع استمرارها، والثاني أن هذا الجيش نفسه لم يقف اعتراضه على جولة جديدة من الحرب عند حدود تقديرات المواقف والاستشارة بين الساسة والعسكريين مثلما كان متبعاً من قبل، إنما خرج هذا إلى العلن، ليس على مستوى الخطاب فقط، إنما الممارسة أيضاً.


وهذه الممارسة أخذت خطوة أوسع وأعمق مما اعتادت عليه إسرائيل بتكوين حركة «جنود من أجل المختطفين»، والتي لم تكتفِ بمناداة نتنياهو بالذهاب إلى التفاوض باعتباره الطريق الأسلم والأسلس في استعادة الأسرى، بل ذهبت إلى رفض احتلال الجيش الإسرائيلي لمدينة غزة، واصفة إياه بأنه «غير قانوني» ويمثل «خيانة للرهائن والشعب الإسرائيلي»، ويشكل «خطراً على حياة الأسرى».


والحركة التي ضمت ما يزيد على أربعمائة من جنود الاحتياط، شكلت وقتها شوكة في خاصرة نتنياهو، نظراً لأن وجودها قد تعزز تباعاً، إذ زاد عدد المنتمين إليها، وكسب خطابها أنصاراً داخل المجتمع الإسرائيلي بمرور الوقت. فقد بدأت الحركة بمبادرة في أكتوبر الماضي وقع عليها مائتا جندي، ثم فتحت الباب للتوقيع الإلكتروني على موقعها، فانضم إليها المئات من جنود الاحتياط، وهم يزيدون تباعاً.


ورفضت هذه الحركة الخدمة العسكرية في قطاع غزة، لأنها كانت تمثل بالنسبة لها مساهمة في تعرض حياة الأسرى للخطر، وهو ما أعلنته بوضوح في مؤتمر صحفي لها قالت فيه: «لن نمتثل للخدمة العسكرية في غزة لأنها ستؤدي إلى مقتل المختطفين، ولا تخدم سوى الحكومة المتطرفة».


وهذا الرفض اختلف بالطبع عن ذلك الذي يصدر عن طائفة «الحريديم»، حيث هو لأسباب دينية، وفق تقاليد شهدتها إسرائيل منذ إنشائها، بينما قام موقف حركة «جنود من أجل المختطفين» على عدم رفض التجنيد إطلاقاً، إنما التجنيد للمشاركة في الحرب ضد غزة، وتصف موقفها هذا بأنه «قرار وطني»، وهو كان تعبيراً جديداً على الساحة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، وصف الامتناع عن المشاركة في حرب بـ«الوطنية»، بما يعاكس أو يناقض كل الذي كان متبعاً من قبل.