الكاتبة الإسبانية إيريني باييخو: مصر ليست مجرد بلد للآثار بل مركز حي للإبداع والكتابة
الكاتبة الإسبانية إيريني باييخو: مصر ليست مجرد بلد للآثار بل مركز حي للإبداع والكتابة
إيريني باييخو: التحول نحو القراءة الرقمية لا يعني نهاية الكتاب الورقي
«من قصر الجعفرية في سرقسطة بإسبانيا، حيث يهمس الحجر الإسلامي بذاكرة ثمانية قرون، إلى مكتبة الإسكندرية التي لا تموت.. هناك، بين ضفتين متوسطيتين، تطل الكاتبة الإسبانية إيريني باييخو حاملة كتبها التي تجاوزت مبيعاتها قوائم الأكثر رواجاً في أوروبا وأمريكا اللاتينية، وترجماتها لأكثر من أربعين لغة، جعلت من القراءة فعلاً يُفضي إلى عقل الآخر. في حوارها الخاص لـ«الوطن» تروي «باييخو» كيف استطاع الأدب أن يكون جسراً لا تعبث به العواصف الرقمية، وأن الحاضر الإسباني يمت بجذوره إلى الماضي الإسلامي وإلى نص الحوار:
■ ما معنى الكتابة بالنسبة لكِ؟
- اكتشفت الكتب قبل أن أبدأ القراءة فعلياً، فوالداي كانا يقرآن لي القصص قبل النوم وأنا في سن مبكرة جداً، وكانت تلك اللحظات عالمي المفضل، حيث كنت أرى الكتاب وكأنه مسرح تُعرض عليه الحكايات وأنا المتفرجة الوحيدة.
كما أن القراءة ارتبطت لديَّ منذ الطفولة بأنها «عتبة إلى عوالم أخرى»، إذ كانت وسيلتي الأولى لفهم الآخرين، وكنت أحلم دائماً بأن أدخل عقول الناس وأفهم كيف يرون العالم، وهو ما حققته لاحقاً عبر الكتب.
■ كيف ترين مستقبل الكتاب الورقي في العصر الرقمي؟
- الكتاب كان دائماً يُعتقد أنه يقترب من النهاية، لكنه أثبت أنه أقوى من كل التوقعات، إذ واجه الحروب والمجاعات والدمار واستمر في البقاء، فالتحول نحو القراءة الرقمية لا يعني نهاية الكتاب الورقي، بل هو مجرد مرحلة جديدة في تطوره التاريخي، تماماً كما انتقل عبر أشكال مختلفة مثل الألواح الطينية ولفائف البردي وصولاً إلى الكتاب الحديث. والأهم ليس الشكل، بل فعل القراءة نفسه والمحتوى، وعدد القراء اليوم أكبر من أي وقت مضى، مع ازدياد دور النشر والمكتبات ومعارض الكتب، رغم كل التغيرات الرقمية.
■ كيف تصفين زيارتك الأولى لمصر؟
- أعجبت بشدة بالدفء الإنساني في مصر، فأسلوب التواصل بين الناس مختلف ويتميز بالدفء والود، واكتشفت أن مصر ليست مجرد بلد الآثار الفرعونية، بل هي مركز حي للإبداع والكتابة، وكانت دائماً في قلب التحولات التاريخية والسياسية، إنها «المركز العصبي» للمنطقة.
■ كيف تنظرين إلى التبادل الثقافي بين العربية والإسبانية؟
هناك عدد كبير من الأعمال الإسبانية المترجمة إلى العربية، وهو أمر إيجابي للغاية، لكنني أعترف بأن ترجمة الأدب العربي إلى الإسبانية ما زالت أقل بكثير، وأتمنى تعزيز هذا الجانب، إذ إن الترجمة ودور النشر تشكل جسراً أساسياً بين الثقافات، والقراءة تساهم في فهم التاريخ والتقارب بين الشعوب وكسر الأحكام المسبقة.
أعجبت بقصة طه حسين الذي أصبح من أبرز الأدباء رغم فقده البصر
■ لماذا تقرئين لطه حسين في هذه المرحلة؟
- أقرأ السيرة الذاتية لطه حسين لارتباطها بعملي الحالي الذي يتناول تجربة ابني مع الإعاقة، وأعجبت بشدة بقصة طه حسين، الذي رغم فقدانه للبصر استطاع أن يصبح أحد أبرز الأدباء والمفكرين في العالم. هذه النماذج الإنسانية الملهمة تستحق مزيداً من الضوء، لأنها تُظهر قدرة الإنسان على التحدي والإبداع رغم الصعوبات.
■ كيف كانت تجربتك في تتبع آثار طه حسين ونجيب محفوظ؟
- زرت أماكن مرتبطة بطه حسين، وتجولت في القاهرة القديمة والفاطمية، وزرت أيضاً الجامع الأزهر، كما تتبعت أيضاً آثار نجيب محفوظ، خاصة أماكن «الثلاثية» وطفولته، وكانت التجربة شديدة التأثير.
■ ما أكثر ما أدهشك في القاهرة؟
- أكثر ما أدهشني هو الحيوية الشديدة في المدينة، ما يميز القاهرة هو الدفء الإنساني والتشابه الثقافي داخل منطقة البحر المتوسط، وطريقة الحياة والتعبير عن المشاعر، مقارنة بالمجتمعات الشمالية الأكثر برودة.
■ ما الذي ينقص لتعزيز الروابط الثقافية بين الشعوب؟
- تعزيز الترجمة واللقاءات الثقافية والرحلات بين الشعوب هو المفتاح الأساسي لتقوية الروابط، إلى جانب خلق مساحات حقيقية للتعارف وبناء علاقات إنسانية عميقة.
■ ما الذي يميز كتابك «اللامتناهي في بردية» في علاقته بالعالم العربي؟
- الكتاب وُلد في قصر «الجعفرية» الإسلامي في سرقسطة، حيث شجعني فيلسوف على الكتابة، ويحمل الكتاب إشارات كثيرة إلى مصر والإسكندرية وكليوباترا والبرديات، حتى إن عنوانه في عدة لغات هو «بردية»، ما يجعله مرتبطاً بالثقافة المصرية بشكل عميق، إذ يشبه «حبلاً سرياً» يصل بين الحضارات.
■ ما شعورك تجاه ترجمة كتابك إلى العربية؟
الأمر مؤثر جداً، إذ لم أتوقع أن يُترجم كتابي إلى أكثر من أربعين لغة، كما أن النسخة العربية مميزة لأنها الوحيدة التي تحتوي على مقدمة خاصة كتبتها للقراء العرب، باعتبارها رسالة شخصية ومباشرة لهم.
إسبانيا والعرب
إسبانيا عاشت قروناً من الوجود الإسلامي في الأندلس، وهو ما ترك أثراً عميقاً في اللغة والثقافة والعادات، وهذا الإرث ما زال حاضراً رغم محاولات إنكاره أحياناً لأسباب سياسية، إذ هناك روابط تاريخية وثقافية قوية بين ضفتي البحر المتوسط، خاصة في مفاهيم الأسرة والحب والحياة.
