إسرائيل وتجنيد «الحريديم» (4)

وقد بررت حركة «جنود من أجل المختطفين» موقفها من إصرار بنيامين نتنياهو على مواصلة الحرب على غزة في بيانها التأسيسي، حين قالت: «نحن، جنود الاحتياط والجنود العاديين والضباط، نعلن بموجب هذا أننا لا نستطيع الاستمرار في ظل هذه الظروف. إن الحرب في غزة تحكم على إخواننا وأخواتنا المختطفين بالإعدام».

وعرَّت الحركة وقتها نوايا نتنياهو، واصفة إياه بـ«المتطرف» و«السياسي الذي يضحي بكل شيء من أجل نجاته»، لتعيد بهذا الجدل مجدداً حول الأسباب الحقيقية التي دفعت رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي إلى الاستمرار في الحرب كنوع من «التهرب السياسي»، وليس ما كان يسوقه في خطابه عن النصر الحاسم، واستعادة الردع، وتحقيق الأهداف الكبرى الموعودة لإسرائيل.

بل لم تكتفِ الحركة بتعرية نتنياهو وإنما نادت بمحاسبته، هو والساسة المتساوقين معه، والقادة العسكريين الذين يسايرونه في التصعيد ضد غزة، ثم أسست هذه المحاسبة على ثلاثة أشياء هي: عدم امتلاك الحكومة أي شرعية في مواصلة الحرب، وتعريض الأسرى للأذى بدءاً من الجوع وانتهاء بالقتل حال استمرار المعركة، والثالث هو تقديم نتنياهو مصلحته الخاصة على الصالح العام لإسرائيل، وبشكل سافر.

وقد امتلكت هذه الحركة حجية قوية، سياسية وأخلاقية من زاوية الفهم والإدراك الإسرائيلي الشائع اجتماعياً، ألا وهي أنها لم تبدأ من قِبَل رافضين للخدمة العسكرية على الدوام، ولا من غير دافعي ثمن في هذه الحرب، ولا من خائضين فيها مشافهة وعن بُعد، إنما ممن شاركوا في هذه الحرب أصلاً، وهي مسألة عبّر عنها جندي منضم إليها يسمى ماكس كريش حين قال: «بصفتنا جنوداً خدموا في هذه الحرب ويهتمون بمستقبل بلدنا، من واجبنا الوطني أن نرفض المشاركة في هذه الحرب».

وهذا الجندي يتكئ في تصريحه هذا على البيان المؤسس للحركة الذي عبر عن موقف أعضائها قائلاً: «نحن الذين خدمنا وما زلنا نخدم بإخلاص، مجازفين بحياتنا، نعلن بموجب هذا أنه إذا لم تغير الحكومة مسارها على الفور وتعمل على تأمين صفقة لإعادة الرهائن إلى ديارهم، فلن نتمكن من الاستمرار في الخدمة.. بالنسبة لبعضنا، تم تجاوز الخط الأحمر بالفعل. يقترب بسرعة اليوم الذي سنتوقف فيه بقلوب مكسورة عن تقديم الخدمة».

ومثّلت هذه الحركة رأس رمح للاتجاه المدني الرافض للحرب، متمثلاً في عائلات الأسرى، الذين ظلوا على مدار الشهور الفائتة يبحثون عن تبني العسكريين الإسرائيليين بقوة ونجاعة لمطلبهم بوقف الحرب، دون جدوى، حتى إنهم اضطروا لمخاطبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه بالضغط على نتنياهو لوقف الحرب وإنقاذ أبنائهم. وراكم أهل الأسرى على موقف «جنود من أجل المختطفين»، ومثّلوا رافعة مدنية لها، راحت تتسع بكسب متعاطفين من غير أهل الأسرى، وهؤلاء كانوا أكثر عدداً.

بالطبع، فإن حركة «جنود من أجل المختطفين» لم تكن هي العامل الحاسم الذي منع نتنياهو من الاستمرار في الحرب بغية احتلال مدينة غزة، لكنها، دون شك، شكلت إحدى أوراق الضغط عليه، ومساراً يؤرقه مستقبلاً إن خضع لمساءلة أو محاكمة، وفي كل الأحوال بقيت أحد المطاعن أو المآخذ المهمة على سعيه لاحتلال غزة، وهو ما عبر عنه «كريش» حين قال: «أي عمل يضفي شرعية على استمرار الأعمال القتالية على حساب صفقة تعيد الرهائن هو خيانة لهم وخيانة للشعب الإسرائيلي».

ومن المتوقع، إن عاد الجيش الإسرائيلي إلى الحرب، وواصل النزيف في الأفراد والمعدات والصورة والحالة المعنوية، بفعل صمود المقاومة، أن يأخذ موقف حركة «جنود من أجل المختطفين» حجية أقوى، وينضم إليها مزيد من جنود الاحتياط، وقد تجذب جنوداً نظاميين أيضاً، وتتسع دوائر الرأي العام المتساوقة مع خطابها وموقفها، فتكون هي الثقب الذي يبتلع نتنياهو في المستقبل المنظور.

إن تجارب الحركات الاجتماعية في دول كثيرة توضح أنها قامت لأداء مهمة، ثم تنفض بعد هذا، وبعضها مثَّل انعطافة مهمة في تاريخ بعض الدول، وهو اقتراب يمكن أن ينطبق على «جنود من أجل المختطفين» التي قد تنجح في بناء موقف أكثر تماسكاً داخل الشعب والجيش في إسرائيل، في الضغط السياسي على نتنياهو.