من مذكرات عالم أنهى حياته بعد الكارثة.. أسباب انفجار مفاعل تشيرنوبل ليلة 26 أبريل 1986

كتب: لمياء محمود

من مذكرات عالم أنهى حياته بعد الكارثة.. أسباب انفجار مفاعل تشيرنوبل ليلة 26 أبريل 1986

من مذكرات عالم أنهى حياته بعد الكارثة.. أسباب انفجار مفاعل تشيرنوبل ليلة 26 أبريل 1986

«هذه الوحدة العسكرية للإطفاء رقم 2؟.. نعم.. ما الذي يحترق لديكم؟.. هناك انفجار في المبنى الرئيسي بين المفاعلين الثالث والرابع.. هل هناك أشخاص؟.. نعم استدعي جميع طواقمنا.. نعم سأفعل.. استدعي جميع الضباط».. بتلك المحادثة التي جرى تسجيلها منذ نحو 40 عاما، بدأت أحداث ليلة قاسية غيرت العالم بأكمله وتسببت في كارثة هزت الجميع، فالحريق المذكور لم يكن عاديا، بل كان ناتجا عن انفجار في مفاعل تشيرنوبل بأوكرانيا، تسبب في تسريب إشعاعي هائل وتلوث، وإصابة سكان العديد من الدول بالسرطان، فيما توفي كثيرون بسبب تعرضهم لمستويات قاتلة من الإشعاع، ليظل السؤال «ماذا حدث في 26 أبريل 1986؟».

منذ اللحظة الأولى لانفجار المفاعل الرابع لتشيرنوبل في مدينة بريبيات الأوكرانية عام 1986، كان يُفترض إعلان حالة الطوارئ وتحذير الدول المجاورة من خطورة الأمر، إلا أنّ سلطات الاتحاد السوفيتي تكتمت على الأمر واعتبرته «حادث بسيط تحت السيطرة»، لكن العالم فاليري ليجاسوف كشف الحقيقة كاملة في مذكراته التي سجلها بصوته قبل أن ينهي حياته بعد عامين فقط من الواقعة، لتعترف سلطات الاتحاد السوفيتي فيما بعد بعيوب المفاعل، وفي عام 2006 اعترف ميخائيل جوربتشوف، بأنّ كارثة تشيرنوبل ربما كانت السبب الحقيقي لانهيار الاتحاد.

فاليري ليجاسوف

وُلد فاليري أليكسييفتش ليجاسوف في 1 سبتمبر 1936 في تولا بروسيا، والتحق بمعهد مندليف للكيمياء والتكنولوجيا بموسكو المتخصص في الصناعة النووية، وعمل في مصنع سيبيريا للكيماويات للمساعدة في تطوير البلوتونيوم للأسلحة النووية، وحصل على درجة الدكتوراه من معهد كورتشاتوف للطاقة الذرية، وأصبح أحد أصغر الأعضاء الذين تم قبولهم في الأكاديمية الروسية للعلوم في عمر 45 عامًا، وكان متزوجًا ولديه طفلان، كما حصل على العديد من الجوائز المرموقة، إلا أنّه بحلول فترة الثمانينيات انقلبت حياته رأسًا على عقب، بحسب موقع «allthatsinteresting».

مؤتمر فيينا


في صباح 26 أبريل 1986، انفجر المفاعل الرابع في محطة تشيرنوبيل للطاقة النووية في بريبيات أثناء إجراء اختبار أمان، وأدى الانفجار إلى تدمير سقف المفاعل الذي يزن 1000 طن، وأطلق كميات هائلة من الإشعاع في الغلاف الجوي، واُختير ليجاسوف للانضمام إلى اللجنة الحكومية الموكلة بالتحقيق في الأمر، وعدما وصل اكتشف أنّ الجميع لا يعرف ماذا يفعل، ليتخذ عدة إجراءات، أولها الإخلاء الفوري لمدينة بريبيات المجاورة، التي كان يسكنها آنذاك نحو 50 ألف نسمة، ثم اتخاذ قرار بإلقاء خليط من البورون والرصاص وطين الدولوميت من طائرة هليكوبتر للسيطرة على المفاعل المشتعل، وكان يستقل طائرة هليكوبتر للتحليق فوق المفاعل نحو 6 مرات يوميًا لإجراء قياسات لمستويات الإشعاع في أعقاب الحادث، غير آبه بالأضرار الصحية الكارثية التي ستصيبه جراء تعرضه للإشعاع.

مفاعل تشيرنوبل

إسقاط الرمل

وبعد السيطرة على الأمر نسبيا وإخماد حريق المفاعل المشتعل في أغسطس 1986، طُلب من زعيم الاتحاد السوفيتي ميخائيل جورباتشوف توضيح أسباب الكارثة، إلا أنّ المسؤولين اختاروا ليجاسوف لشرح الأمر بحكم خبرته العلمية في مؤتمر للوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) في فيينا، وحضر المؤتمر 500 خبير من 62 دولة، وطلبت منه السلطات أن ينسب الأمر إلى الخطأ الإداري الذي وقع من القائمين على المفاعل في تلك الليلة حفاظًا على مظهر الدولة أمام العالم، لكنه فاجأ الحاضرين وأخبرهم بأنّ السلطات السوفيتية كانت تعلم بوجود عيوب تصميم قاتلة في نوعية مفاعلات RBMK بينها تشيرنوبل.

ولمدة 5 ساعات ظل يجيب على أسئلة الجميع بلا كلل، وفي أعقاب ذلك المؤتمر حصل على لقب «شخصية العام» في أوروبا، وأُدرج ضمن قائمة أفضل 10 علماء في العالم، بعدما أُعجب بصراحته وأسلوبه الخبراء الدوليون، ويقول ليجاسوف في مذكراته: «كان الإهمال من جانب الإدارة العلمية والمصممون سائدا في كل مكان، دون إيلاء أي اهتمام لحالة الأجهزة أو المعدات».

اللجنة السوفيتية

المؤتمر كان المسمار الأخير في نعش عالم الكيمياء، حيث قضى على مسيرته المهنية تماما، ونبذه كثير من العلماء السوفيتيين واعتبرو أنّه كشف معلومات سرية للعالم، ووصل الأمر إلى مطالبات بمحاكمته لتسريبه معلومات سرية من قبل وزارة صناعة الآلات المتوسطة، وأصبح منبوذًا من المجتمع العلمي بأكمله، ولم يُكرم على عمله في تشيرنوبل، بل جرى تجاهله تمامًا، ولم يتم اختياره لشغل مقعد في المجلس العلمي والتقني لمعهد كورتشاتوف للطاقة الذرية، بعد أن كان يشغل منصب نائب المدير سابقًا، وهكذا أصبح الجميع يتجنبه، وتجاهلت السلطات توصياته بإصلاح المفاعلات المتبقي رغم أنّه قبل المؤتمر حصل على وعد منهم بذلك.

فاليري ليجاسوف.. من الشهرة إلى إنهاء حياته

وازداد الأمر سوءًا بالمراقبة اللصيقة من السلطات له ومنعه من التحدث في أمر المفاعل، وأصبح معزولًا لا يستطيع التحدث مع أحد بعد أن كان واحدًا من أفضل علماء الكيمياء بدولته، إضافة إلى معاناته من آثار الإشعاع إذ قضى 4 أشهر قرب من محطة الطاقة النووية، وأصيب بالتهاب البنكرياس الإشعاعي، ومرض الإشعاع في المرحلة الرابعة، ووجد الأطباء أدلة على تلف نخاع العظام، كما عانى من الغثيان والصداع الشديد، وبدأت أطرافه وأصابعه تشعر بالخدر، وعندما علم بتجاهل السلطات لتوصياته رغم مرور عامين على الكارثة، أصيب باليأس وخيبة الأمل.

وفي 27 أبريل 1988 الموافق الذكرى السنوية الثانية لكارثة تشيرنوبل، أنهى فاليري ليجاسوف حياته، تاركًا خلفه مذكرات بصوته يحكي فيها كل ما حدث معه وأسباب انفجار المحطة الرابعة النووي، والعيوب القاتلة في تصميمات المفاعل التي أنكرها الاتحاد السوفيتي رغبة منه في الحفاظ على صورته أمام العالم، ليكون انتحاره سببًا في معرفة ما حدث في 26 أبريل 1986، وتضطر السلطات فيما بعد، للاعتراف بأخطائها وتصحيح عيوب بقية المفاعلات من نوع RBMK على الفور.

قبل عامين ويوم واحد من إنهاء حياته، كان كل شيء طبيعيا وعاديًا، حيث استيقظ فاليري ليجاسوف يوم السبت 26 أبريل 1986، وقرر الذهاب إلى اجتماع نشطاء الحزب في الساعة 10 صباحًا بوزارة الطاقة التي تشرف على معهد كورتشاتوف النووي، وقبل بدئه أخبره نيكولاي إيفانوفيتش ييرماكوف، رئيس المكتب السادس عشر لوزارة صناعة الآلات المتوسطة، أنّ حادثًا مؤسفًا وقع في محطة تشيرنوبل، وجرى تشكيل لجنة حكومية للتحقيق في حادثة تشيرنوبيل، وتعيينه في تلك اللجنة، ولم يكن لدى عالم الكيمياء أدنى فكرة بأنّ تلك الحادثة ستكون سببًا في إنهاء مسيرته العلمية وحياته بأكملها، وفق موقع legasovtape.

تشيرنويل

يقول عالم الكيمياء في مذكراته الصوتية، إنّه علم بتلقي المسؤولين إشارة إنذار سيئة للغاية من المحطة في الليلة السابقة وكان محتواها «1-2-3-4»، ما يعني أنّ حدثًا قد وقع في المحطة ينطوي على 4 أنواع من المخاطر (خطر نووي وإشعاعي وحريق وانفجار)، وخلال 4 ساعات تقريبًا اتجه فريق اللجنة إلى الموقع، متابعًا في الشرائط الصوتية: «كان التقرير الوحيد الدقيق هو عن الحادث الذي وقع في المبنى الرابع للمفاعل أثناء إجراء تجربة غير قياسية لتشغيل المولد التوربيني، عندما وقع انفجاران تسببا في تدمير مبنى المفاعل وأصيب عدد كبير من الموظفين، لم يكن العدد دقيقًا، ولكن كان من الواضح أن نحو 100 شخص أصيبوا بإصابات إشعاعية، فيما توفي شخصين وكان آخرون في المستشفيات، وكانت ظروف الإشعاع في المحطة معقدة إلى حد ما، ولكنها لم تشكل في ذلك الوقت أي خطر كبير على سكان المدينة».

تشيرنوبل

تلوث الهواء بالإشعاع النووي

يصف العالم الكيميائي في مذكراته، الوضع عندما كان أعضاء اللجنة على بعد نحو 8 كيلومترات من تشيرنوبل بأنه مقلق للغاية، إذ كانت السماء متوهجة باللون القرمزي، وبدت المحطة كأنها مصنع معدني أو كيميائي عملاق مع وهج ضخم أعلاها، وصدرت الأوامر في الساعة 20:20 يوم 26 أبريل، بإغلاق مبنى المفاعل الثالث، فيما استمر المبنيان الأول والثاني في العمل على الرغم من أن غرفهما الداخلية كانت تعاني من مستوى تلوث بلغ عشرات رونتجن في الساعة، نتيجة فتحات التهوية التي لم يتم إغلاقها في الوقت المناسب، مما أدى إلى دخول بعض الهواء الملوث بالإشعاع إلى المكان: «كانت اللوحة العلوية للمفاعل وتعرف باسم «يلينا» في وضع شبه عمودي مما يعني أن هناك قوة هائلة جعلتها تنفصل عن أعلى المفاعل، ودُمر الجزء العلوي من قاعة المفاعل بالكامل، وعلى أسطح غرفة المحركات وأراضي المحطة، كانت قطع من كتل الجرافيت متناثرة، إضافة إلى بعض عناصر قضبان الإشعاع الحراري الكبيرة، مما يعني أن هناك انفجار يعادل قوة 3 إلى 4 أطنان من مادة تي إن تي، قد حدث».

مفاعل تشيرنوبل

تطهير الإشعاع


بحلول مساء يوم 26، جرى تجربة جميع الاحتمالات الممكنة لإغراق المنطقة النشطة، لكن لم يؤد ذلك إلى شيء سوى تبخر شديد وإغراق المياه للعديد من غرف الخدمة في المبنى المجاور، وتعرض رجال الإطفاء لجرعات عالية من الإشعاع، لأنهم كانوا يقفون في أماكن معينة لمراقبة عدم اندلاع حرائق جديدة، لأن غرفة المحركات كانت تحتوي على الكثير من الزيت والهيدروجين داخل المولدات ومصادر أخرى لا يمكن أن تسبب حريقًا فحسب، بل يمكن أن تسبب انفجارًا آخر يدمر المبنى الثالث، وكانت فوهة الحطام في الكتلة الرابعة تنفث الكثير من غازات الهباء المشعة، بسبب الجرافيت الذي كان يحترق منذ 240 ساعة ويُقدر بـ2500 طن، ولم تكن هناك أي وسيلة تقنية لإطفاء حريق الجرافيت بالطرق التقليدية.

إخلاء السكان


جرى إسقاط 2400 طن من الرصاص من خلال طائرات الهليكوبتر، كما جرى إسقاط طين ورمل بكميات كبيرة من أجل تكوين طبقة ترشيح يمكنها احتجاز جزء على الأقل من المكونات المشعة: «من 26 أبريل حتى 2 مايو، كانت هذه هي الفترة الرئيسية التي ألقينا فيها المواد على المفاعل، وبعد 2 مايو، أوقفنا الإلقاءات وأخذنا استراحة، ثم في 9 مايو، استأنفنا العمل عندما رصدنا منطقة مشتعلة في المفاعل، وألقينا 80 طنًا أخرى من الرصاص هناك، واستمر الأمر حتى 15 مايو»، بحسب ما قاله فاليري ليجاسوف في المذكرات.

الإجلاء الإلزامي لنحو 50 ألف نسمة


اُتخذ قرار بالإجلاء الإلزامي لسكان بريبيات، وفي حوالي الساعة 2:30 مساءً، كانت المدينة بأكملها خالية، باستثناء عمال المحطة، ولكن ظهرت عقبة غير متوقعة، إذ سمحت اللجنة الحكومية لبعض المواطنين بالسفر بسياراتهم وأشيائهم الخاصة، مما أدى إلى انتشار مستوى التلوث خارج المنطقة، وكان السكان البالغ عددهم 50 ألف نسمة يأملون بأن عملية الإجلاء مؤقتة: «في اليوم الثالث للكارثة عرضت تنظيم مجموعة إعلامية ودعوة 3 صحفيين للانضمام إليها لنشر المعلومات الصحيحة عن الوضع من المتخصصين، لكن لم يتم تنفيذ هذا المقترح».

مخيمات العمال


في 2 مايو، قررت اللجنة الحكومية مواصلة عملية الإجلاء من منطقة تقع في نطاق 30 كيلومتراً حول محطة تشيرنوبيل النووية، وجرى ملاحظة زيادة في مستويات الإشعاع في كييف ومدن أخرى تبعد مسافة كبيرة عن تشيرنوبيل، وأظهر تقرير لمعهد GeoChem أن أكثر من 50% من محتويات المفاعل قد تسربت من قلبه ومن منطقة محطة تشيرنوبيل للطاقة، واُتخذ قرار ببناء حاجز خرساني تحت الأرض يحيط بجميع المناطق الملوثة في محطة تشيرنوبيل النووية لمنع تسرب المواد المشعة إلى المياه والآبار الجوفية، وعمل عمال المناجم و10 آلاف عامل بمترو الأنفاق بجد لإنشائه دون إبلاغهم بتعرضهم لمستويات قاتلة من الإشعاع.

الأسباب العلنية لانفجار مفاعل تشيرنوبل 1986


تمثلت الأسباب العلنية وراء انفجار مفاعل تشيرنوبل، في أنه عندما بُني المفاعل الرابع في 20 ديسمبر 1983، صدّق مدير المحطة فيكتور بريخانوف على اكتمال بنائه بعد 11 يومًا فقط، بموافقة نائبه أناتولي دياتلوف، وكبير المهندسين نيكولاي فومين، ولكنهم كذبوا، فمن أجل توقيع مستند التصديق على اكتمال البناء كان لا بّد من إجراء اختبارات الأمان كافة، إلا أن هناك اختبارًا لم يتم إنهاؤه رغم محاولاتهم المتكررة على مدار 3 سنوات، فالمفاعل يتكون من نواة (القلب) ويحيطها عدة مضخات على الجانبين تضخ الماء باستمرار من أجل تبريد القلب، ويولد القلب حرارة تبخر المياه ويتسبب البخار في تدوير التوربينة ما ينتج عنه كهرباء، ولكن ظل السؤال عن احتمالية حدوث انقطاع مفاجئ للكهرباء عن المحطة الأمر الذي قد يؤدي إلى عدم عمل المضخات وارتفاع حرارة المفاعل وانفجاره، وكان الحل في تشغيل 3 مولدات احتياطية تعمل بالديزل لتأمين الكهرباء للمضخطات باستمرار، ولكن المشكلة أنها تستغرق دقيقة كاملة للعمل، وتمثل اختبار الأمان في أنه إذا حدث انقطاع مفاجئ في الكهرباء يمكن تحويل الطاقة الناتجة عن التوربينة قبل توقفها لتأمين الطاقة اللازمة للمضخات لحين عمل المولدات، من خلال خفض طاقة إنتاج المفاعل إلى 1700 ميجاواط لمحاكاة حالة انقطاع التيار، ثم إغلاق التوربينات وفي أثناء دورانها ببطء يتم قياس إنتاجها الكهربائي لمعرفة ما إذا كان كافيًا لتشغيل المضخات، وفشل الاختبار 3 مرات.

المتهمون الثلاثة

وفي الساعة الثانية مساء يوم 25 أبريل، خُفضت طاقة المفاعل إلى 1600 ميجا واط، أي نصف إنتاجيته، استعدادًا لإجراء اختبار الأمان عند 700 ميجا واط، إلا أن مسؤولي الطاقة في كييف قالوا إنهم لا يمكنهم تحمل استمرار خفض الطاقة إلا بعد منتصف الليل، وكان يجب إلغاء الاختبار إلا أن بريكانوف وفومين ودياتلوف أصروا على استكماله، وأوكلوا المهمة إلى الوردية الليلية وتضم ليونيد توبتونوف مهندس التحكم في المفاعل الذي كان يفتقر إلى الخبرة اللازمة وكان عمره وقتئذ 25 عامًا فقط، وألكسندر أكيموف المسؤول عن غرفة التحكم، وبسبب تراكم عنصر الزينون تسمم قلب المفاعل ولم يعد هناك فائدة من الاختبار، إلا أن دياتلوف هدد العاملين وأمرهم برفع طاقة المفاعل على الفور في الساعة 12:38 دقيقة بعد منتصف ليل 26 أبريل، وفق موقعي «history» و«world nuclear association».


وبدأ الثنائي في سحب قضبان التحكم لاستعادة طاقة المفاعل ووصلت إلى 200 ميجا واط فقط، ومع توقف المضخات عن العمل، ارتفعت طاقة المفاعل في أقل من ثانية بسبب غياب عناصر التحكم بها، وفي الساعة 1:23 دقيقة صباحا، يضطر توبتينوف لضغط زر ( Az5) المخصص لإيقاف المفاعل عن العمل في حالة الطوارئ عبر إنزال قضبان التحكم بالكامل التي كانت مصنوعة من البورون، إلا أن أطرافها كانت مصنوعة من الجرافيت الذي يعمل على زيادة التفاعل، وفي أقل من ثانية ارتفعت طاقة المفاعل إلى 33 ألف ميجا واط، وفي الساعة واحدة و23 دقيقة و45 ثانية، انفجر غطاء المفاعل، مما أدى إلى تفاعل الأكسجين مع الهيدروجين والجرافيت وانفجار قلب مفاعل تشيرنوبل.

نشيرنوبل

الأسباب الحقيقية لانفجار مفاعل تشيرنوبل النووي


ويقول فاليري ليجاسوف في مذكراته، إنّ الاتحاد السوفيتي أراد أن يظهر للعالم أن ما حدث كان نتيجة خطأ إداري ارتكبه مسؤولو المحطة وجرى معاقبتهم، إلا أن الحقيقة لم تكن خطأ إداريًا فقط، إذ إنّ مفاعل RBMK يعد من أسوأ أنواع المفاعلات النووية، بسبب استهلاكه العالي للوقود؛ وبنيته غير الصناعية، كما أن هناك تفاعلات كيميائية ضحمة تحدث داخله، بسبب احتوائه على الكثير من الجرافيت والزركونيوم والماء، وكانت درجة الحرارة التي يمكن أن يبدأ عندها تفاعل البخار والزركونيوم، مصحوبة بتولد الهيدروجين، غير مقبولة من حيث المبدأ، كما يتضمن عيبًا قاتلًا بالنسبة لأنظمة السلامة التي من المفترض أن تعمل في الحالات القصوى، فمعامل التفاعل الإيجابي في هذا الجهاز، إذا بدأ في الظهور وأصبح ملحوظًا، عندئذٍ يمكن للمشغلين خفض قضبان الطوارئ باستخدام الزر الخاص AZ-5 لإعادة ضبطها، لكن المفاعل لم يكن مزودًا بأي قضبان ميكانيكية أو أي أنظمة أمان أخرى إضافة إلى غياب مباني الاحتواء حول المفاعل: «عندما زرت محطة تشيرنوبيل بعد الحادث ورأيت ما كان يحدث هناك، توصلت إلى أن كارثة تشيرنوبيل هي تتويج لكل سوء الإدارة الذي مورس على مدى عقود في بلدنا».

الجدول الزمني لتشيرنوبل


احتوى مفاعل RBMK على أخطاء تصميمية رئيسية أولها هو أنه كان ينبغي وجود نظامين للحماية في حالات الطوارئ على الأقل، وفقاً لما تقتضيه المعايير الدولية، وأحدهما يجب أن يعمل بشكل مستقل عن المشغل ويوقف المفاعل تلقائيًا والثاني يتم التحكم فيه يدويا، لكنه افتقر إلى نظام حماية ثانٍ مستقل عن المشغل، وهذا خطأ كبير، ولولا ارتكابه لما وقع حادث تشيرنوبيل، والخطأ الثاني هو أن جميع أنظمة الحماية الطارئة العديدة كانت متاحة لموظفي المحطة ولم تكن هناك رموز سرية مزدوجة خاصة لإيقاف تشغيل أنظمة الحماية، إذ كان من الممكن تعطيل الحماية فقط بتدوير مفتاح بسيط في عدة اتجاهات، إضافة إلى افتقار المصممين إلى المعرفة الفيزيائية اللازمة بالتفاعلات الحيوية داخل المفاعل، فضلًا عن اعتماد المفاعل على قضبان التحكم المصنوعة من البورون والجرافيت لخفض التفاعل التي يستغرق الواحد منها نحو 5 أو 6 ثوان لينزل إلى قلب المفاعل، وكلها أشياء تجاهلتها الحكومة السوفيتية مما أدى إلى وقوع الكارثة.