القاتل الصامت لـ«النفس»

رغم ما تتميز به مواقع التواصل الاجتماعي من قيمة وما باتت تقوم به من وظائف في حياة المواطن المعاصر، إلا أنه يصح القول إنها تحولت إلى «قاتل صامت» في حياة البعض، وربما في حياة الكثيرين، وباتت تلعب دوراً في إرهاق نفسية المستخدمين، وإصابتهم بالتوتر والقلق، وأحياناً الاكتئاب.

فأكثر وسيلة لحرق وقت البشر حالياً هي مواقع التواصل الاجتماعي، فهي تأكل ساعات عديدة من أيام الكثيرين ولياليهم، وإذا فتشوا عن الفائدة التي عادت عليهم بعد الاستغراق الطويل أمام هذه المواقع فلن يعثروا على شيء ذي قيمة، اللهم إلا متابعة ما يكتبه الآخرون أو ما تنشره المواقع الإخبارية، أو ما ينقله الأفراد من أخبار عبر وسائل الإعلام والمنصات الإخبارية، أو ما يتناقلونه من شائعات وأخبار كاذبة، وما يشاركونه من معلومات قد تكون مكتملة أو منقوصة، صحيحة أو مغرضة، بالإضافة إلى ما تدفع به الخوارزميات من فيديوهات ومواد بناءً على تحليل اهتمامات المستخدمين.

يركز أغلب مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي على نشر الأخبار المزعجة أو السلبية، مثل أخبار الحروب، والحوادث والجرائم الشاذة، والأخبار المتعلقة بالضغوط المعيشية وغير ذلك، هذا النوع من المواد الإعلامية يؤدي إلى الشعور بالاكتئاب، وأحياناً يقع بعض مستخدمي التواصل الاجتماعي في نشر الشائعات المحبطة والمزعجة، والترويج لبعض الأكاذيب التي تُثير القلق والتوتر لدى المتابعين، وحتى خوارزميات تحليل اهتمامات المستخدمين أحياناً ما تلعب دوراً شديد الأثر في زيادة منسوب الضغط النفسي أو العصبي. جرّب مثلاً أن تبحث عن معلومات عن دواء أو مرض معين، وستجد الفيديوهات والمنشورات -ذات الصلة بهما- تطاردك في كل وقت وحين، ولكي يضمن منتجوها أن تتابع وتشاهد، فإنهم يضعون عناوين مخيفة لها، مثل العلامات السبعة التي تُؤكد إصابتك بهذا المرض أو ذاك، والمخاطر الكبيرة التي سوف تتعرّض لها إذا أهملت في علاجه (تبعاً للمنهجية التي سيُقدمها لك)، ولن تتوقف رسائل العيادات والأطباء على ماسنجر لتقدم لك خدماتها وهكذا.

أوائل الألفية الجديدة (سنة 2002) ألّف أحد الباحثين الأمريكيين كتاباً بعنوان (أربع مناقشات لإلغاء التليفزيون)، وكان الدافع لتأليف الكتاب التأثيرات السلبية للنماذج التي يقدّمها التليفزيون على ازدياد معدلات العنف والانتحار لدى الأطفال والمراهقين. وبناءً على ذلك لك أن تتوقع مخاطر التأثير المضاعف لمواقع التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية للمستخدمين، مقارنة بالتليفزيون الذي يبدو أمامها كـ«ملاك إعلامي حقيقي»، كانت هناك مطالبات بقذفه في «سلة المهملات» في الماضي!

لقد تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى قاتل صامت، بسبب حالة الضغط النفسي والعصبي الذي قد تتسبّب فيه، مما دعا المتخصصين في دراسة هذه المواقع إلى التحذير من التأثيرات النفسية والاجتماعية الخطيرة التي يمكن أن تترتب على استخدامها، ونصحوا بالتقليل من معدلات التعرض لها لاستعادة الإحساس بالتوازن النفسي والعصبي، والخروج من نفق الحياة الافتراضية التي يعيشها الفرد داخل عالم التواصل الاجتماعي، تلك المواقع التي أصبحت جزءاً لا يتجزّأ من آلة من آلات الوجع النفسي للجمهور.