سلام مربع للأبطال

خديجة حمودة

خديجة حمودة

كاتب صحفي

بلغة أهل البلد وسكان الأحياء الشعبية والمصريين الأصلاء أصحاب الأرض الذين قدموا أبناءهم فداءً لها دون تردد، هؤلاء الذين انطلقت الزغاريد من زوجاتهم فرحاً بشهادة الأبناء مصاحبة للدموع، أجل فقد تغلبت الفرحة بالجنة وشفاعتهم للوالدين يوم القيامة ليلحقوا بهم في الجنة، تغلبت الفرحة على آلام الفراق من أجل مصر وعزتها، بلغة هؤلاء أقول لكم سلام مربع للجدعان.

ففي ذكرى استرداد طابا وخروج المعتدين ورؤية المراسلين والمصورين انهيارهم وهم يرحلون، كان لا بد أن نتذكر مهندسي مفاوضات طابا التي دخلت التاريخ وتدرّس في الأكاديميات العسكرية والكليات العالمية المصنفة في أول طابورها.

ومنهم الدكتور نبيل العربي، أحد أهم قادة ملحمة استعادة طابا، رئيس الوفد المصري في هذه المفاوضات، التي كانت من أهم الانتصارات التي حققتها الدبلوماسية المصرية في تاريخها لاستعادة آخر شبر في سيناء يوم التاسع عشر من مارس.

قاد «العربي» برفقة الوفد المصري معركة عظيمة، كان سلاحهم فيها الوثائق والخرائط التي تثبت تبعية طابا للأراضي المصرية، حيث كثفت الدبلوماسية المصرية من تحركاتها الدولية لإظهار الحقيقة، وكشف أكاذيب وادعاءات تل أبيب لسرقة طابا، من خلال تقديم 29 خريطة بأحجام مختلفة تثبت الملكية المصرية لطابا، وتمكّنت من جمع خرائط ووثائق من الأرشيف المصري والبريطاني والتركي.

وقد لعب الدكتور نبيل العربي دوراً هاماً في جمع المستندات والوثائق التي تكشف كذب إسرائيل أمام العالم، وتولى عدة مناصب هامة ومنها منصب أمين عام جامعة الدول العربية، ثم تقلد منصب وزير الخارجية في عام 2011، بجانب دوره التاريخي كمستشار قانوني للوفد المصري أثناء مؤتمر كامب ديفيد للسلام في الشرق الأوسط عام 1978.

كما كان السفير عبدالحليم بدوي من بين الأعمدة الدبلوماسية التي قادت معركة استعادة طابا، فقد لعب دوراً مهماً برفقة الوفد المصري الذي ضم عدداً من الكفاءات القانونية والتاريخية والجغرافية، ونجح، في تقديم كافة الحجج والبراهين والمستندات التي تدحض الرواية الإسرائيلية وتثبت الحق من خلال الاستعانة بوثائق تاريخية.

ويملك السفير عبدالحليم بدوي عقلية مصرية عظيمة قادرة على التفاوض بقدر كبير من الحكمة والرصانة، خاصة أنه نجل العالم عبدالمجيد باشا بدوي هو أول قاضٍ عربي ومصري بمحكمة العدل الدولية.

ومن أهم قادة الوفد في حسم الصراع على مدينة طابا كان الدكتور حامد سلطان، الذي شغل منصب رئيس لجنة التحكيم الدولية عن مصر لاستعادة طابا، فهو أستاذ القانون الدولي، الذي خاض معركة شرسة لحسم المفاوضات وكشف كذب تل أبيب، وله 60 كتاباً في القانون الدولي، وكان ذا عقلية قانونية لا يستهان بها وأخذ على عاتقه استرداد أرضه في مهمة وطنية لا ينساها التاريخ.

من بين العقليات الدبلوماسية المصرية، التي برهنت على عظمتها وذكائها الشديد، كان السفير حسن عيسى، الذي جاء ضمن الفريق المصري لاستعادة طابا، والذي كاد يفقد حياته بعد تعرضه لمحاولة اغتيال نجا منها بأعجوبة، والذي تقلد مناصب مهمة، فقد كان أول قنصل عام لمصر في إيلات، وكان شاهداً على خروج آخر جندي إسرائيلي من سيناء وهو جالس بشرفة غرفته في فندق طابا، وقد حرص على تعلم اللغة العبرية حتى يكون قادراً على إدارة المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي.

ولعل من أبرز أعضاء وفد التفاوض الأبطال الفريق أول كمال حسن علي، مدير سلاح المدرعات أثناء حرب أكتوبر وقد تدرج في المناصب القيادية حتى وصل إلى منصب مدير سلاح المدرعات عام 1972م، ثم قائداً عاماً للقوات المسلحة عام 1973م وكان قائداً للفرقة 21 العسكرية المسؤولة عن إمداد الجيش المصري بالدبابات خلال حرب 1973م، وبعدها تولى منصب رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية في يونيو 1975م، وتولى بعدها منصب نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية، ثم تولى منصب وزير الدفاع والإنتاج الحربي في الفترة بين أكتوبر عام 1978 وحتى مايو عام 1980م وأثناء عمله الأخير تولى مسؤولية المفاوضات العسكرية مع إسرائيل بعد اتفاقية كامب ديفيد وأكمل جانبها السياسي، كما اشترك في حروب مصر ضد إسرائيل في الفترة بين 1948 وحتى 1973م وقام بتدوين مذكراته في كتاب باسم «مشاوير العمر» وركز فيه على حرب 1948م وباقي رحلته المشرفة. وتولى رئاسة مجلس الوزراء في يونيو 1984م، وفي السابع والعشرين من مارس عام 1993 توفي الفريق أول كمال حسن علي تاركاً خلفه بطولاته التي يخلدها التاريخ.


وهناك عضو مؤثر في فريق التفاوض ألا وهو عصمت عبدالمجيد، قائد كتيبة اللجنة القومية لطابا في المعركة القانونية لاسترداد الأرض.

وقد ولد أحمد عصمت عبدالمجيد في الإسكندرية عام 1923، وتخرج في كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية عام 1944، ثم أكمل دراسته في القانون وحصل على درجة الدكتوراه في القانون الدولي من جامعة باريس عام 1951، وقد تولى في بدايات حياته منصب المستشار السياسي المسؤول عن تنفيذ الاتفاقية البريطانية المصرية بين عامي 1954 و1956 وذلك لكفاءته العلمية المشهود بها، وتدرج «عبدالمجيد» في المناصب السياسية والدبلوماسية حتى تولى عام 1970 منصب سفير مصر لدى فرنسا، ثم تولى منصب وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء بين عامي 1970 و1972، ثم منصب سفير ومندوب مصر الدائم في الأمم المتحدة لأحد عشر عاماً بين 1972 و1983، وقد تنقل بين المناصب السياسية والدبلوماسية حتى شغل منصب وزير خارجية مصر بدءاً من عام 1984 وحتى العام 1991، ليتولى بعد ذلك منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية عام 1991 حتى عام 2001.

وحينما خاضت مصر رحلتها القانونية في استرداد طابا، بدأت بتشكيل اللجنة القومية لطابا برئاسة عصمت عبدالمجيد في 13 مايو 1985، تكونت هذه اللجنة من 24 خبيراً، من بينهم 9 من خبراء القانون، و2 من علماء الجغرافيا والتاريخ، و5 من كبار الدبلوماسيين بوزارة الخارجية، و8 من العسكريين وخبراء المساحة العسكرية، وذلك فضلاً عن دوره الكبير في استعادة علاقات مصر مع الدول العربية التي كانت قد قُطعت عقب اتفاقيات كامب ديفيد.

وكان هناك عدد من الجنود المجهولين في هذه المفاوضات، من بينهم الدكتور يونان لبيب رزق، الذي ولد في 27 أكتوبر 1933 وتخرج في كلية الآداب بقسم التاريخ في جامعة عين شمس وحصل على الليسانس عام 1955، وبعد تخرجه، عمل مدرساً في محافظة الإسماعيلية، ثم محافظة القاهرة وواصل دراسته ليحصل بعدها على ماجستير في قسم التاريخ الحديث عام 1963، ثم حصل على الدكتوراه في جامعة عين شمس وعمل مدرساً بها فيما بعد.

وقد شارك الدكتور يونان في العديد من القضايا الوطنية المهمة، لعل أبرزها مفاوضات تحرير طابا حيث شغل عضوية هيئة الدفاع المصري في هذه القضية عام 1988، ولعب دوراً حاسماً في إعادتها لمصر من خلال الوثائق التاريخية والصور التي قدمها للجنة التحكيم، والتي حسمت بشكل قاطع ملكية مصر لطابا. ورحل في 15 يناير عام 2008، بعد صراع طويل مع المرض تاركاً خلفه بطولته في استرداد طابا والتي لن ينساها التاريخ ونستعيد تفاصيلها وأبطالها في ذكرى تحريرها من كل عام.