امرأة تشكو إلى الله
امتطى الخليفة عمر بن الخطاب ظهر «حمار» وسار في الطريق والناس من حوله، فجأة استوقفته امرأة، وأخذت تتحدث إليه حديثاً طويلاً، كان من ضمن ما جاء فيه: يا عمر قد كنت تُدعى عميراً، ثم قيل لك: عمر، ثم قيل لك: أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر، فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب، وهو واقف يسمع كلامها، فقيل له: يا أمير المؤمنين، أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف؟ فقال: والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا للصلاة المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز؟ هي خولة بنت ثعلبة سمع الله قولها من فوق سبع سماوات، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر؟
امرأة استثنائية عاشت السيدة «خولة»، رضي الله عنها، فقد كانت صاحبة عقل يفكر ويتأمل ولا يسلم بالأمور إلا عن اقتناع كامل، والواضح أيضاً أنها كانت على قدر وافر من الجمال، إذ يذكر «ابن كثير» في تفسيره أن من بين ما قيل عنها إن اسمها «جميلة»، والأرجح أن ذلك كان لقبها، بسبب ما تمتّعت به من جمال خَلق وخُلق، وقد تزوّجت ابن عمها أوس بن الصامت شقيق عبادة بن الصامت، وقد حدثت بينهما يوماً مشاحنة بسبب طلب طلبته منها فأبت، وكان «أوس» شخصاً عصبياً، يتحكم فيه غضبه في بعض الأحوال، فقال لها: أنت عليَّ كظهر أمي، وكان الظهار في الجاهلية يعني الطلاق، فذهبت إلى رسول الله تستفسر منه: هل يكون زوجها قد طلقها بذلك؟ فرد عليها بأنها أصبحت محرّمة عليه بيمين الظهار هذا، فقالت له: كيف وقد نسخ الله سُنن الجاهلية، فكرر لها النبي قوله: لقد حرمت عليه، أوجع الرد قلب «خولة» وأخذت تردد: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي ووحشتي وفراق زوجي وابن عمي. لقد كانت السيدة تحب زوجها رغم ما فعل، وتسأل نفسها أين ستذهب هي وأولادها، وكيف ستعيش من دونه وحيدة شريدة؟
دفعتها هذه الأحاسيس الموجعة -كما يحكي «ابن كثير» في تفسيره- إلى أن تسأل النبي من جديد: هل أنزل الله تعالى شيئاً في أمرها، فيقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ما أوحي إليَّ في هذا شيء، فقالت: يا رسول الله، أوحي إليك في كل شيء وطوي عنك هذا؟! فقال: هو ما قلت لك، فقالت: إلى الله أشكو لا إلى رسوله. فأنزل الله: «قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ».
تتصدر هذه الآية الكريمة سورة كاملة في القرآن الكريم، هي سورة «المجادلة»، ويمنحك هذا الاسم مؤشراً على قيمة الجدل وطرح الأسئلة وإعمال العقل في الأحكام. فالسيدة «خولة» فكّرت في الإجابة التي قدمها لها النبي على يمين الظهار الذي أقسمه زوجها عليها، وأنه يعني أنه طلقها، رغم أن الظهار كشكل من أشكال الطلاق ارتبط بسنن الجاهلية التي أبطلها الإسلام، وأخذت تلح على النبي في الحصول على إجابة، ورفعت يدها إلى السماء ودعت الرحمن الرحيم تستهديه، فكان أن نزل الوحي على النبي بكفارة «الظهار».
رضي الله عن الصحابية الجليلة خولة بنت ثعلبة.