مستر أسبوعين!
صار الرئيس الأمريكي مثار سخرية على شاشات التلفزيون يظهر مذيعون من المشاهير ليسخروا منه ويصفونه بالسمكة الذهبية أطلقوا عليه لقب «مستر أسبوعين»، يهدد بضرب إيران خلال ساعات ثم يعود ويقول إنه سيقتل الجميع بعد أسبوعين، يقول إنه سيبيد الحضارة الفارسية ثم يقول إننا وإيران أصدقاء، يعلن أنه سيتخذ قراراً كبيراً بشأن اتفاق باريس خلال أسبوعين! وسنوقع خطة للرعاية الصحية خلال أسبوعين، سنبيع البطاقة الذهبية خلال أسبوعين، إننا يمكن أن نجلس سوياً خلال أسبوعين، إيران ستمتلك سلاحاً نووياً خلال أسبوعين، سيكون لدينا شيء خلال أسبوعين، ستحصلون على الموافقة خلال أسبوعين، يمكنني أن أجيب على هذا السؤال بشكل أفضل خلال أسبوعين، يمكنكم طرح هذا السؤال بعد أسبوعين. هكذا صار الرجل الذي يحكم أكبر دولة في العالم.
يصعب تجاهل الظاهرة التي يمثلها ترامب، ليس فقط بوصفه رئيساً لأمريكا، بل كحالة سياسية وإعلامية فريدة أعادت تعريف العلاقة بين السلطة والخطاب العام. فالرجل الذي صعد إلى الحكم على موجة من الشعبوية والوعود الصادمة، لم يتخل عن أسلوبه حتى بعد دخوله البيت الأبيض، بل ربما ضاعفه، ليصبح عنصر المفاجأة والتقلب جزءاً أصيلاً من شخصيته السياسية.
ما يثير الانتباه في سلوك ترامب ليس مجرد تصريحاته المثيرة، بل نمطها المتكرر؛ التهديد ثم التراجع، ثم إعادة صياغة الموقف وكأن شيئاً لم يكن. هذا التذبذب الذي يصفه منتقدوه بعدم الاتزان، يبدو للوهلة الأولى عشوائياً، لكنه في العمق يعكس طريقة خاصة في إدارة السياسة، تقوم على إبقاء الجميع في حالة ترقب دائم. حين يلوح بضربة عسكرية، أو يتحدث عن قرارات كبرى خلال أسبوعين، فإنه لا يقدم جدولاً زمنياً بقدر ما يخلق حالة من التوتر المستمر، تجعل الإعلام والرأي العام يدوران في فلكه. تكرار عبارة «خلال أسبوعين» تحديداً لم يمر دون سخرية في الداخل الأمريكي، حيث تحولت إلى مادة خصبة للبرامج الساخرة، وأصبحت رمزاً لأسلوب يقوم على تأجيل الحسم دون التراجع الصريح. هذا الأسلوب يمنحه هامشاً واسعاً للمناورة، فهو لا يلتزم بموعد محدد يمكن محاسبته عليه، وفي الوقت نفسه يظل حاضراً في العناوين الرئيسية، كمن يعِد دائماً بشيء كبير يلوح في الأفق.
أحد التفسيرات المحتملة لتصرف ترامب بهذه الطريقة يرتبط بخلفيته كرجل أعمال وإعلام، حيث تعد السيطرة على الاهتمام العام أهم من الاتساق في المواقف، في عالم الصفقات قد يكون الغموض أداة ضغط، وقد يكون التهديد وسيلة تفاوض، لا هدفاً نهائياً. من هذا المنظور يمكن فهم تصريحاته المتناقضة تجاه قضايا مثل الحرب على إيران.
لكن هذه الاستراتيجية، وإن كانت فعالة في عالم الأعمال، فهي تحمل مخاطر كبيرة حين تُنقل إلى ساحة السياسة الدولية. فالدول لا تتعامل فقط مع النوايا، بل مع الإشارات أيضاً، والتقلب في الخطاب قد يفسر على أنه غياب للرؤية أو ضعف في الالتزام. وهذا بدوره يؤثر على مصداقية أمريكا، ويجعل حلفاءها أكثر حذراً، وخصومها أكثر جرأة في اختبار حدودها.
في الداخل الأمريكي أسهم هذا النمط في تعميق الانقسام السياسي، فبينما يرى أنصاره في أسلوبه تعبيراً عن الجرأة وكسراً للتقاليد البيروقراطية، يعتبره منتقدوه دليلاً على الفوضى وعدم الكفاءة، لم يعد الجدل حول السياسات بحد ذاتها، بل حول طبيعة القيادة وأسلوب الحكم.
على الصعيد العالمي أدى هذا التذبذب إلى إعادة تشكيل صورة أمريكا، فالدولة التي كانت تعرف بثبات سياساتها واستمرارية مؤسساتها، بدت وكأنها تتحرك وفق إيقاع شخصي، يتغير بتغير المزاج أو اللحظة، وهذا التحول ليس بلا ثمن، إذ قد يدفع بعض الدول إلى البحث عن بدائل وتحالفات جديدة وتقليل اعتمادها على واشنطن.
إن ظاهرة ترامب ليست مجرد فصل عابر في التاريخ السياسي الأمريكي، بل علامة على تحول أعمق في طبيعة القيادة في عصر الإعلام الفوري. إنه نموذج لقائد يدير السياسة كما تُدار العروض، بالإثارة، والتشويق، وتأجيل الذروة. لكن إلى أي مدى يمكن لدولة كبرى أن تتحمل هذا النمط من القيادة دون أن تدفع ثمنه في مكانتها واستقرارها.