أشرف غريب يكتب: في ذكرى موسيقار الأجيال وأثره

كتب: محرر

أشرف غريب يكتب: في ذكرى موسيقار الأجيال وأثره

أشرف غريب يكتب: في ذكرى موسيقار الأجيال وأثره

في الرابع من مايو 1991 قبل خمسة وثلاثين عاماً من الآن رحل الاسم الأشهر في عالم الموسيقى على مدى تاريخ الفن العربي كله قديمه وحديثه، رحل الرجل الذي تحدى الزمن وأثبت أن سيرته أطول من العمر، وإنجازه أبقى من غيابه، وتاريخه ليس مجرد صفحة في كتاب، وإنما هو الفصل الأهم في سيرة فن الطرب وسحر الألحان، رحل موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب الذي استحق بحق هذا اللقب الذي يلخص مشوار عطائه على مدى ما يزيد على خمسة وسبعين عاماً من أعوام عمره التي بلغت نحو تسعين عاماً.

لكن السؤال الأهم هنا: لماذا بقي «عبدالوهاب» على القمة طوال كل هذه المدة وحتى بعد رحيله قبل خمسة وثلاثين عاماً؟

في تقديري أن هذا النجاح الاستثنائي لم يتحقق للرجل صدفة أو بضربة حظ، وإنما رسّخته سنوات النشأة والتكوين التي كانت الأساس الذي أنشأ «عبدالوهاب» على قواعده الراسخة صرح مجده الخالد، وهذا ما أثبتته أعوام عمره وأياديه البيضاء على فن الموسيقى والغناء في الوطن العربي كله:

أولاً: كانت نشأة محمد الوهاب الشعبية في حي باب الشعرية وفي رحاب مسجد العارف بالله سيدي عبدالوهاب الشعراني أول مصدر من مصادر تكوينه الذهني والوجداني، فنشأ متشبعاً بالطابعين الشعبي والديني ومنغمساً فيهما ما انعكس ذلك على موسيقاه وألحانه وخاصة في مرحلة البدايات، وهو ما أكد عليه الموسيقار الراحل في كل أحاديثه حين قال إنه استقى كثيراً من جمله اللحنية من حلقات الذكر والابتهالات في مسجد الشعراني، أو من أصوات الباعة الجائلين والمطربين الشعبيين الذين استمع إليهم في صباه الباكر.

ثانياً: أتاحت له بدايته المبكرة وهو طفل صغير فرصة مواجهة الجمهور والتعود على الغناء الحي ما أكسبه جرأة واضحة ومراساً كبيراً، فإذا ما أضفنا إلى ذلك تجواله بفنه في كثير من ربوع مصر وهو في تلك المرحلة من حياته لأدركنا مدى تراكم الخبرات وتنوعها والتجارب الفنية والحياتية التي تمتع بها، وهي أمور اتكأ عليها «عبدالوهاب» في مواصلة مشواره الطويل بعد ذلك.

ثالثاً: كان عبدالوهاب محظوظاً -بكل تأكيد- بتعارفه على أمير الشعراء أحمد شوقي، وأكثر حظاً بإيمان شوقي بك بموهبة هذا الصبي الصغير للدرجة التي جعلته يستضيفه للإقامة معه في كرمة ابن هانئ بيت شوقي الشهير، واصطحابه في رحلاته وأسفاره وجلساته، ما أتاح له تكوين قاعدة ثقافية رصينة والعديد من المشاهدات الفنية وخاصة خارج مصر، فتفتحت أذناه على عيون الشعر والأدب، وعيناه على فنون الغرب من أوبرا وباليه وكافة أشكال الكونسير، وهو ما لم يتحقق لغيره من منافسيه، فضلاً عن تقديم شوقي له في أوساط طبقات المجتمع الراقي، فإذا ما رحل أمير الشعراء عام 1932 كان عبدالوهاب قد وقف على أرض صلبة، وأصبح يحظى بلقب «مطرب الأمراء» وهذا هو الفارق بينه وبين كل أقرانه أمثال عبدالحي حلمي وصالح عبدالحي وزكي مراد، فالصوت المثقف يظل أكثر قدرة من غيره على إدارة موهبته ومواجهة المواقف الصعبة.

رابعاً: ربما كانت هذه التنشئة الثقافية سبباً وراء استنارة عبدالوهاب وقدرته على مواكبة التطور والانفتاح على تجارب الآخرين للدرجة التي جعلته يضع سنة 1933 لحناً مثل تانجو «جفنه علّم الغزل» ضمن أغنيات فيلم «الوردة البيضاء» إخراج محمد كريم، في الوقت الذي كان الآخرون لا يزالون مسجونين داخل «أمان يا للي» وكافة أشكال الصنعة التركية في الموسيقى والغناء، فضلاً عن جرأته في إدخال الآلات الغربية على التخت الشرقي والإلحاح على ذلك بل والدخول في صدامات لاحقة للإبقاء عليها مثلما حدث في معركته مع أم كلثوم من أجل الاستعانة بالجيتار في أغنية «إنت عمري» سنة 1964 أول تعاون بين موسيقى عبدالوهاب وصوت كوكب الشرق، هذه الروح المتطورة والمتحررة أتاحت له اكتساب جماهير جديدة مع كل جيل من المستمعين يأتي فيجد عبدالوهاب على القمة.

خامساً: ربما لم تكن لتكتمل هذه النظرة التقدمية في موسيقى عبدالوهاب دون التقائه بفنان الشعب سيد درويش وتتلمذه على يديه لمدة سنتين بين عامي 1921 و1923، ولولا رحيل «درويش» في تلك السنة لتشرب منه عبدالوهاب أكثر وأكثر، ولذلك لم يكن لافتاً أو مستغرباً أن ينظر إليه معاصرو تلك الفترة على أنه الامتداد الطبيعي لفنان الشعب، وهو ما دعا سلطانة الطرب منيرة المهدية لأن تعهد إليه باستكمال تلحين أوبريت «كليوباترا ومارك أنطونيو» الذي كان سيد درويش قد بدأه ولم يمهله القدر لإنجازه.

وقد استوعب عبدالوهاب جيداً هذه العوامل مجتمعة، واستفاد من تلك المدخلات التي أتته مبكراً، بخلاف معظم الأسماء الغنائية التي عاصرته في بداياته، فإذا ما شب عن الطوق عمرياً وموسيقياً كان معينه قد امتلأ بكل ما يميزه عن غيره، ثم جاء دوره في إدارة ذلك كله لخدمة مشروعه الشخصي وصناعة اسمه الكبير.


مواضيع متعلقة