هاني شاكر

الفنان هاني شاكر آخر من تبقى من «زمن الغناء الجميل». تعرّف جيلنا أول ما تعرف عليه في فيلم «سيد درويش» -إنتاج عام 1966- وقام فيه بدور المجدد الأكبر في تاريخ الموسيقى العربية وهو طفل صغير ينشد ويغني في المقاهي والأفراح. صوت هاني شاكر في ذلك الوقت كان واعداً، ومع مطلع السبعينات من القرن الماضي بدأ هاني شاكر الشاب يقدم نفسه للجمهور المصري، في زمن تزاحم فيه على مسرح الطرب في مصر أجمل الأصوات التي عرفتها الأذن العربية، على رأس هؤلاء «عبدالحليم وفريد»، لفت هاني شاكر نظر قطاع من المستمعين بصوته الشاب الدافئ المعبر، فأحبوا غناءه الذي تعانق مع ألحان العديد من كبار الملحنين في ذلك الوقت، مثل محمد الموجي ومحمد سلطان، وغيرهما.

اجتذب هاني شاكر أفراد الجيل الجديد من المراهقين والشباب أوائل السبعينات، وردد البعض -كما كان معتاداً حينذاك- أن عبدالحليم حافظ يحارب هاني شاكر، ويعتبره منافساً له، وهي نفس الإشاعة التي ترددت حين ظهر المطرب كمال حسني. وحقيقة الأمر أن «عبدالحليم» بلغ في هذه المرحلة قمة النضج الفني، وبات يتربع بمفرده على عرش الغناء العربي، بعد أن توقفت «أم كلثوم» -رحمة الله عليها- عن الغناء، وتراجعت صحة فريد الأطرش، رحمه الله.

صوت هاني شاكر كان واعداً فعلاً، لكن لم يكن بمقدوره أن يزحزح «عبدالحليم» عن موقعه في قلوب محبيه في شتى أنحاء العالم العربي، وبعد وفاة «العندليب» كان عشاقه يتندرون ويقولون: ها هو عبدالحليم حافظ قد مات.. أين من كانوا يزعمون أنه كان يقف في طريق نجاحهم حين كان حياً؟

تألق نجم هاني شاكر، وتضاعف عطاؤه الفني خلال فترة الثمانينات، وأنتج العديد من الأغاني، ومثّل بعض الأفلام، لكن ظني أنه لم ينجح كممثل، ما نجح فيه هاني شاكر حقيقة هو غناء بعض الأغاني التي أعدها بعض كبار ملحنينا لـ«عبدالحليم»، لكن حالت وفاته دون أن يشدو بها، فقد أجاد في أغنية «هو اللي اختار» التي لحنها «بليغ» لـ«عبدالحليم»، لكن لم يشدُ بها، وأغنية «من غير ليه» التي لحنها محمد عبدالوهاب، ومات «عبدالحليم» قبل أن يغنيها.

وجد العديد من كبار ملحنينا في ذلك الوقت في صوت هاني شاكر نافذة متميزة يمكن أن يطلوا منها بألحانهم البديعة على الجمهور العربي، مثل بليغ حمدي، ومحمد الموجي، ومحمد سلطان، وخالد الأمير، وحلمي بكر، وغيرهم.

الأغاني التي قدمها هاني شاكر لهؤلاء الكبار ما زالت تعيش في ذاكرة الأجيال التي سمعتها، مثل «يا ريتك معايا» و«أيام بتدور وتدور بينا» و«لو كنت غالي عليك» و«حكاية كل عاشق»، وغيرها. على مدار عدة عقود ظل هاني شاكر -من وجهة نظر الكثيرين- الوريث الشرعي للفن الغنائي المنتمي إلى الزمن الجميل، زمن الكلمة ذات المعنى، والنغم القادر على اختراق الإحساس، والأصوات التي تستطيع هز المشاعر. رحم الله هاني شاكر.. ورحم زمانه.