الإعلام القضائي والتواصل الفعال

تلقيت دعوة كريمة من الصديق العزيز الأستاذ الدكتور عادل عبدالعزيز السن، للمشاركة في المؤتمر العربي الثاني للقضاء عن «إدارة منظومة العدالة في ضوء التقنيات الحديثة»، والذي ينعقد في العاصمة المصرية القاهرة، بالتعاون بين المنظمة العربية للتنمية الإدارية بجامعة الدول العربية، وهيئة قضايا الدولة بجمهورية مصر العربية، وذلك في الفترة من 5 إلى 7 مايو 2026م. وتأتي هذه المشاركة ضمن الجلسة الحوارية السادسة عن موضوع «الإعلام القضائي والتواصل الفعال».

وحسناً فعل القائمون على تنظيم المؤتمر باختيارهم هذا العنوان، لا سيما عبارة «التواصل الفعال». ففي اعتقادي الشخصي أن فلسفة «التواصل الفعال» تعلو وتسمو على فلسفة ودور «الإعلام» بمفهومه التقليدي. ونعتقد كذلك أن «التواصل الفعال» مفهوم أعمق وأشمل من مفهوم الإعلام. فالتواصل الفعال يبدأ منذ نظر الدعوى وسيرها أمام الجهات القضائية وعملية إصدار الحكم القضائي نفسه وضمان جودته ومراعاة المخاطبين به وفهمهم له. وحتى يكون التواصل فعالاً، ينبغي أن يراعي التطلعات والتوقعات والمطالب المشروعة لكل فئات المجتمع، بما يؤدي إلى تعزيز الثقة العامة بالقضاء وتعزيز الصورة الذهنية له على الصعيدين الوطني والدولي، وصولاً إلى تعزيز القوة الناعمة المصرية.

وبمجرد تسلم الدعوة الكريمة للمشاركة في المؤتمر، بدأت عملية العصف الذهني، لتحديد محاور حديثي في هذه الفعالية المهمة، حيث تداعت إلى ذهني الأفكار والعناصر التالية:

- القاضي الرحيم «فرانك كابريو»، وإبراز الجانب الإنساني للقضاء، أو ما يطلق عليه تطبيق «روح القانون».

- المتاحف القضائية الافتراضية.

- التوثيق القضائى للأحداث الوطنية.

- استخدام القضاة لمواقع التواصل الاجتماعى.

- إسهامات بعض القضاة من خلال كتابة المقالات فى الصحف والظهور أو الحديث فى وسائل الإعلام.

- دور القضاة الأدباء والشعراء فى تعزيز الصورة الذهنية الإيجابية عن القضاة.

- البيانات المفتوحة للمحاكم أو المحكمة المفتوحة (Open Court).

- محكمة لا تنام (محكمة 24/ 7).

- تبسيط لغة الأحكام القضائية وتقريبها من المتقاضين، وتبسيط لغة القانون بوجه عام.

- تصميم شكل معين للأحكام، بما يؤدى إلى وضوح وسهولة قراءتها والوقوف على أسبابها، وبحيث يتعزّز لدى المحكوم عليهم والمحكوم لهم وغيرهم من فئات المجتمع أن «الحكم القضائى عنوان الحقيقة».

- التسويق القضائى وتسويق التشريعات.

- ترجمة بعض الأحكام القضائية إلى اللغات الأجنبية ودور الهيئة العامة للاستعلامات فى تعريف الجمهور الأجنبى ووسائل الإعلام الأجنبية ومنظمات المجتمع المدنى الأجنبية بها.

- صورة المحاكم والقضاة فى الأعمال السينمائية والدرامية.

- التعليق على الأحكام القضائية فى وسائل الإعلام المكتوبة والمقروءة والمسموعة.

- تحسين مستوى اليقين القانونى والقدرة على التنبؤ بالأحكام القضائية، بما يقود فى نهاية المطاف إلى تعزيز وإرضاء الشعور بالعدالة.

- إبراز دور القضاء فى التنمية المجتمعية.

- إبراز دور القضاء فى التنمية الاقتصادية.

- البث التليفزيونى للمحاكمات الجنائية (محاكمة القرن نموذجاً، وكذا محاكمة الرئيس العراقى الأسبق صدام حسين وقادة حزب البعث العراقى السابق).

- البث التليفزيونى للقضايا غير الجنائية. والمثال الأبرز على ذلك هو قضية الطلاق والتشهير الأشهر فى الآونة الأخيرة للممثل الأمريكى جونى ديب والممثلة الأمريكية آمبر هيرد، التى انتهت محاكمتها فى عام 2022م، وتم بث جلساتها مباشرة (Live) عبر الكثير من القنوات الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعى (يوتيوب، فيس بوك) خلال شهرى أبريل ومايو 2022م. وقامت منصة نتفليكس بإنتاج فيلم وثائقى يغطى محاكمة جونى ديب وآمبر هيرد. وكذلك توجد مقاطع فيديو كثيرة على يوتيوب ومنصات التواصل تلخص اللحظات الحاسمة وشهادات الشهود. وقد انتهت المحاكمة فى اليوم الأول من شهر يونيو عام 2022م، لصالح جونى ديب، حيث أدانت هيئة المحلفين آمبر هيرد بالتشهير به. وتجدر الإشارة فى هذا الصدد إلى أن القضية المشهورة التى تم بثها كانت محاكمة «تشهير» مدنية ناتجة عن الطلاق والاتهامات المتبادلة، وليست مجرد جلسات إجرائية للطلاق.

- التجسيد السينمائي والتليفزيوني لبعض القضايا. فعلى سبيل المثال، ألهمت قضية التشهير بين الممثل الأمريكي جوني ديب وزوجته السابقة الممثلة آمبر هيرد، صناع السينما الأمريكية، إذ أعلنت نتفليكس تقديم مسلسل يسرد قصة الخلاف بينهما. فقد أثارت القضية الكثير من الجدل والمواقف المتباينة ما بين مؤيد لجوني ديب ومساند لآمبر هيرد في النزاع القضائي الذي لاقى اهتماماً إعلامياً كبيراً أخذ مداه على منصات التواصل الاجتماعي. ويبدو أن هذا الاهتمام قد دفع منصة «نتفليكس» لتقديم مسلسل مؤلف من ثلاثة أجزاء، يسرد القضية بشكل حيادي تحت عنوان «ديب ضد هيرد» (Depp v. Heard)، بداية من الأربعاء الموافق 16 أغسطس 2022م، في عمل من إخراج إيما كوبر. وفي بيان صادر عنها، قالت المنصة إن المسلسل يُعد أول عمل يربط بين البيانات الرئيسية التي تم الإدلاء بها في المحاكمة من قِبل الطرفين، فضلاً عن سرد الحقيقة بشأن تحديد الجاني والمجني عليه في الزواج بين جوني ديب وآمبر هيرد الذي دام 15 شهراً، وأيضاً حيال الشخصية التي اختلقت الاتهامات. وأضافت المنصة أن مسلسلها يطرح تساؤلاً غاية في الأهمية عما إذا كانت المحاكمة ترمي إلى الترويج للنجمين.

وما دمنا نتحدث عن جلسة حوارية، ولما كان موضوع هذه الجلسة الحوارية هو «الإعلام القضائي والتواصل الفعال»، لذا فقد ارتأينا من المناسب توسيع نطاق الحوار، بحيث نشارك القراء الأعزاء المحاور التي نعتقد أن موضوع الجلسة الحوارية يدور حولها أو ينبغي أن يتناولها. فالحوار المجتمعي حول قضايا العدالة هو أمر مطلوب وضروري، ويُسهم في ترسيخ مبدأ الالتزام الطوعي بأحكام القانون، ويُشكل أحد مظاهر «الديمقراطية التشاركية» التي تُعد أبرز سمات المجتمعات المعاصرة. وجدير بالذكر في هذا الصدد أن الكاتب الكبير الأستاذ السيد يسين قد تميز بنهج فريد ومتميز في كتاباته، وهو الدخول في حوار إيجابي مع تعليقات القراء الذين يتابعون ما يُكتب من مقالات متابعة دقيقة، ويدخلون معها عادة في حوار نقدي. ومن هنا، يأتي الهدف من وراء نشر هذا المقال، وهو الدخول في حوار إيجابي مع القراء حول فكرة الحلقة الحوارية وموضوعها، وما يتوقعونه منها.

وفي الختام، نرى من المناسب أن تعمد الجهات القضائية بالتعاون مع الهيئة العامة للاستعلامات والهيئة الوطنية للإعلام إلى وضع خطة وسياسة ومنهاج عمل للتواصل، وبحيث تتضمّن تحديد الفئات المستهدفة بالتواصل، وتحديد الشركاء الاستراتيجيين، وتحديد قنوات التواصل، وتحديد آليات التواصل، وتحديد أهداف التواصل.