في معنى «هاني شاكر»!
ظل محمد الموجي -الموسيقار الكبير- يُؤمن أنه لعب دوراً في تقديم عبدالحليم حافظ للدنيا.. ولذلك وفي كل خلاف بينهما كان يريد التأكيد على قدرته على تقديم «حليم» كل حين.. هو يُؤمن بالتباين بين المواهب، وأن الأصابع ليست مثل بعضها، لكنه سار على الدرب حتى رحيله بآخر اكتشافاته الكبرى أميرة سالم..!
في ذلك قدم في الخمسينات كمال حسني، كما قدم في السبعينات هاني شاكر.. كل من قدمهم «الموجي» بفصيلة صوتية واحدة.. إما مشتقة من فصيلة صوت عبدالحليم، أو جميعهم منها!
كانت الأجواء في بداية السبعينات تشي بشيخوخة في الغناء العربي.. محمد عبدالوهاب توقف عن الغناء منذ فترة، والطبيعة تهزم فريد الأطرش، والمرض يُبقي العندليب في المستشفيات أكثر من الاستوديوهات، بينما باقي المطربين «محرم والعطار» وغيرهما، ليس لديهم في ما يبدو -أو بدا وقتها- ما يقدمونه أكثر مما قدّموا ويقدمون!
من هنا كانت الحاجة الموضوعية إلى موهبة شابة تتفجّر تحمل راية الغناء خلال ربع القرن القادم ملحة.. أكثر منها الطبع عند الموجي، أو مكايدة في لعبته الشهيرة مع صديق عمره عبدالحليم.. ومن هنا كان هاني شاكر، وكان أول لحن منه له.. ثم تركه يسبح بمفرده في بحر الفن.. يتابعه ويراقبه ويجلس على الشاطئ بالقرب منه، لكن لا يحمله في الماء فوق ظهره، ولا يقود المركب نيابة عنه.. ومن هنا انطلق هاني شاكر ابن العشرين، والذي عرفه الناس في «سيد درويش»، وبعض المشاهد التي نبّأت بموهبة كبيرة!
كتب له أكبر الشعراء.. ولحّن له أكبر الملحنين.. بمن فيهم هنا وهناك أقرب دوائر عبدالحليم حافظ.. فكان محمد عبدالوهاب وبليغ حمدي ومنير مراد، كما كان محمد حمزة وعبدالرحمن الأبنودي حتى أحاط شاكر نفسه بفريق جديد دون التخلي عن رفاق الطلعة الأولى، فتعاون على قدر ما تعاون مع حالة متميزة في السبعينات، تعاون معه كما تعاون مع شادية وسعاد محمد وآخرين.. كان خالد الأمير.. وكان في الكتابة سمير الطائر!
وظل هاني شاكر يراكم ملحنين وشعراء دون الابتعاد عن أحد.. وظل ملتزماً بالفن الأصيل، بالتطوير المباح المتاح دون تجمّد ودون ذوبان.. حتى شيّد لنفسه في أذهاننا وفي تاريخ الغناء العربي كله تلك الصورة التي عرفناه عليها.. مقاتل جسور في جيش الأصالة.. والالتزام.. وقتال مع خوارج الفن، وحتى في ذلك لم نره فجاً ولا سباباً ولا شتاماً ولا حتى منفعلاً بعيداً عن أصول الانفعال. ولم نره في معركة شخصية ولا في مغنم خاص.. بل رأيناه يغني بعد غناه لمصر ولأهلها للقدس الشريف وللوحدة العربية ولفلسطين، ولكل القضايا العربية، بشعبية هايلة زادت ولم تقل في الوطن العربي كله.. متوجاً بلقبه الأشهر وعن استحقاق «أمير الغناء العربي»!
رحل هاني شاكر دون خلاف عائلي واحد.. العائلي الوحيد الذي عرفناه وشاهدناه مرض ابنته.. ثم رحيلها.. ووجعه في الحالتين.. وقلبه الذي ينزف دون أن يتاجر أو يستدر عطف الناس إلى حيث يستفيد.. بل ظل بكبرياء الألم حتى غادرنا!
وداعاً هاني شاكر.. آخر زهرة في شجرة الزمن الجميل.. وحلقة الوصل بين عهدين للغناء المصري والعربي.. والسد المنيع لإسقاط هوية الكلمة واللحن المصريين.. وداعاً فنان جميل كاد الزمن أن يتنكر له.. فكان في حمى الجماهير التي انتظرت رجوعه، لكن قدر الله يغلب الجميع، وتعود روحه إلى بارئها راضية مرضية!