الابتلاء بـ«الخذلان»
ثمة ابتلاء من نوع خاص، أدعوه «الابتلاء بالخذلان»، يقع بك دون ضجيج، ولا تبدو آثاره واضحة على أي شيء مرئي باستثناء وجهك الذي ينطفئ فجأة.
الأثر الأبرز للخذلان يترك في القلب، يبدو ككدمات بنفسجية بلون المحبة والسعادة المغدورة، البعض ينجو والبعض يعيش بألم مكتوم، يحاول أن يعيش فيموت أكثر.
ثمة مقولة لافتة رأيتها كثيراً، نصها: «يتجاوز المرء جميع الأشياء ما عدا أنه قد خذل في موضع طمأنينة» وأنا أقول إن الخذلان لا يقع إلا في أكثر مواطن الشعور بالطمأنينة، كمن قر في يدي والديه، يقذفانه إلى أعلى فيترك يديه وقدميه في الهواء، لكن المفاجأة أن يداً لا تتلقفه، الخذلان أن تسقط من السماء السابعة إلى الأرض العاشرة، ولا يشغلك من تلك الرحلة الطويلة من أعلى إلى أسفل سوى مجموعة من الأسئلة، لماذا؟ كيف؟ ماذا حدث؟ أين كنت حقاً؟ ومتى وقع كل هذا؟ وهل سأعيش؟
الأمر المذهل بشأن «الخذلان» أنه يتكرر بطريقة فريدة في حياة البعض، كما تجذب النار الفراشات، يبدو البعض مغرياً للغاية كي يخذل، أنا هنا لا أخمن، المسألة تخضع لاعتبارات علمية بالكامل، فبحسب أبحاث عالم النفس جون بولبي تؤثر تجارب الخذلان العاطفي المبكرة أو الشديدة على طريقة اختيار العلاقات وإداراتها لاحقاً، هكذا تجدك بعد خذلان أحد والديك مرشحاً للوقوع بطريقة مذهلة في شريك يخذلك أيضاً، ليس لأنك شخص قليل الحظ لا سمح الله، ولكن لأن عطباً كبيراً أصاب نمط تعلقك، فتجدك تميل من دون وعي للعلاقات غير الآمنة أو المستقرة، تتسامح مع السلوكيات المؤذية أكثر من اللازم، لكن هذا ليس السبب الوحيد.
حين تتعرض للخذلان مرة، سوف يصير لديك بشكل أو بآخر حساسية للرفض، سوف تسير على الكوكب وأنت تتسول بعضاً من الرضا والقبول، كمن ينتظر من مارة لا يعرفونه أن يقروا ويعترفوا له أنه رائع ويستحق، ويصفقوا له لأنه جميل وجيد بما يكفي.. هذا لا يحدث ولن يحدث أبداً، في دراسة معروفة لكل من العالمين داوني وفيلدمان نُشرت عام 1996 وجدا أن بعض الأشخاص بعد تجارب الرفض والخذلان يصير لديهم تفسير مبالغ فيه للإشارات من الآخرين، هكذا يصير لكل شيء «صغير» معنى كبير وإن كان بلا قيمة في الأصل، يعبر عنه بعض المخذولين بقولهم: «القليل منهم بيفرحني»، لكن المسألة بالكامل عبارة عن بؤس مركب، حتى يصير الفتات «الدنيا وما فيها».
الأمر الأخطر هنا هي تلك النقطة، حين يتكرر الخذلان بوتيرة أكبر فتكتسب رغماً عنك عقلية «الضحية»، تبدأ في التعامل مع نفسك باعتبارك «المخذول دائماً وأبداً» الكل يتركك، الكل يبتعد، الكل لا يمنحك ما تستحق من الاهتمام والتقدير والمحبة، ثم؟ تصل لتلك النتيجة المخزية: «أنا غير كافٍ.. أنا لا أستحق المحبة والإنصاف».
سأخبرك كيف يجري الأمر، الأسوأ من هذا كله هي تلك النقطة حين ينخفض الخذلان بمناعتك، فيتركك مريضاً، يقترن رحيل الشعور بالأمان برحيل المناعة، يتركانك عارياً في مواجهة الحزن والميكروبات.. فكلاهما يصيبك حيث شاء، ثم؟
ثم تكتشف أنك إن لم تنصر نفسك فلن ينصرك أحد، وأن الخذلان الأكبر والأسوأ هو أن تخذلك صحتك، فتتعرض لواحدة من تلك الوعكات التي ربما لن يمنحك خلالها كل هؤلاء الذين بكيتهم بدماء قلبك، كوب ماء، إن كان هذا كله يعني لك شيئاً، فربما تلك لحظة مناسبة كي تنظر في المرآة وتتذكر كل الانتصارات والأفعال الرائعة التي فعلتها بحق نفسك، والعلاقات الآمنة التي اكتسبتها على مدار الزمن، أن توقن حقاً أن الخذلان لا يعبر إلا عن أصحابه ونفوسهم وما تحمله من نواقص.. لن يخذلك شجاع، ولن يكسر خاطرك شخص رائع، الجيدون حقاً لا يتركون وراءهم جروحاً كبيرة أو أرواحاً متعبة. الجيدون بما يكفي يمنحون ويبقون والأهم.. لا يخذلون.