حكاية النعش الفارغ للعندليب.. كيف نجا جثمان «حليم» من الحب القاتل في جنازة القرن؟

كتب: إسراء عبد العزيز

حكاية النعش الفارغ للعندليب.. كيف نجا جثمان «حليم» من الحب القاتل في جنازة القرن؟

حكاية النعش الفارغ للعندليب.. كيف نجا جثمان «حليم» من الحب القاتل في جنازة القرن؟

توقف نبض القاهرة في الثلاثين من مارس عام 1977، ولم يكن ذلك التوقف لمجرد رحيل مطرب شهير، بل بدا وكأن نبض العاصمة قد خفت مع العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، إذ لم تكن جنازته مجرد وداع رسمي، بل تحولت إلى حالة من الهستيريا الجماعية والوجع الصادق، ووسط تلك الأمواج البشرية التي قدرت بالملايين، ظهرت قصة «النعش الفاضي»؛ ذلك الصندوق الخشبي الذي لفه العلم المصري وطاف الشوارع، بينما كان الجسد النحيل لصاحب «قارئة الفنجان» يسلك طريقاً آخر، فما الحكاية؟

وو

حكاية النعش الفاضي للعندليب

اتشحت البلاد بالسواد في ظهيرة يوم حزين من أيام ربيع 1977، ولم تكن شوارع القاهرة مجرد طرقات، بل صارت بحراً من البشر؛ لأن عبد الحليم حافظ الذي غنى للحب وللثورة ولل وطن قد رحل، ولم تكن الجماهير التي عاشت على صوته تودعه في هدوء، بل كان المشهد مهيباً في آن واحد، إذ احتشد الملايين حول مسجد «عمر مكرم»، وانفجرت الدموع التي سكتت في البيوت داخل الميادين، وهنا بدأت القصة التي حيرت الجميع؛ قصة النعش الذي طار فوق الرؤوس، والجسد الذي كان يرحل في صمت، كما التقطه المصور الصحفي حسام الصيرفي في صورة أظهرت الحشد الشعبي.

وو

جسد هنا.. ونعش هناك

دار صراع بين الوفاء والأمن خلف الكواليس في غرف مغلقة، حيث أكد الإعلامي وجدي الحكيم أخصائي كتم أسرار حليم، أن أجهزة الدولة استشعرت خطراً حقيقياً، ولم يكن ذلك الخطر اغتيالاً، بل كان الحب القاتل، إذ كان التدافع كفيلاً بسحق الجثمان وضياع الجنازة في فوضى عارمة، ومن هنا جاءت حيلة النعش الرمزي؛ فخرجت سيارة عسكرية مكشوفة تحمل نعشاً ملفوفاً بعلم مصر، يحيط به كبار رجال الدولة والقادة، وانقضت الجماهير نحو هذا النعش، وتعلقت به الأيدي، وصرخت الحناجر تحته، لكن الحقيقة كانت في مكان آخر، وذكرت جريدة الأهرام في أرشيفها الصادر عقب الجنازة في عددي 31 مارس و1 أبريل، أن التدافع كان عنيفاً لدرجة أن النعش الرمزي بدا وكأنه يطير فوق رؤوس المشيعين من كثرة الأيدي التي كانت تحاول لمسه نيل البركة أو الوداع الأخير.

ملايين يطاردون النعش الرمزي

بينما كان الملايين يطاردون النعش الرمزي في شوارع وسط البلد، كان نعش العندليب عبد الحليم عرضة للاكتساح الشعبي، فكانت هناك سيارة إسعاف بيضاء بسيطة، لا تلفت الأنظار، تتسلل من طرق جانبية وممرات خلفية، وداخل تلك السيارة، كان يرقد عبد الحليم الحقيقي كان الجثمان النحيل يسلك طريقه إلى مقابر البساتين في هدوء لا يشبه ضجيج حياته.

و

وأكد الناقد طارق الشناوي أن حليم الذي عاش حياته تحت الأضواء، دُفن في لحظة تسلل عبقرية، بعيداً عن زحام كان قد يمنع وصوله لمثواه الأخير، وهذه الصورة الذهنية هي التي رسخت أسطورة «النعش الطائر» في الوجدان الشعبي المصري.


مواضيع متعلقة