أوجاع الأفندي (2)
على هامش القصة المركزية في رواية «الأفندي» للأديب محمد ناجي تتوالد حكايات فرعية عن فتاة عربية، شبه أميرة، تدعى موزة، تركت بلادها وجاءت إلى القاهرة هرباً من قصة حب فاشلة، وكانت تقرض الشعر، فالتف حولها شعراء وكتاب ونقاد، استفادوا منها، وبحثت فيهم ومعهم عما يسري عنها همومها، خاصة «حبيب الله» الذي كانت تراه شخصاً مختلفاً، ونازك التي كانت تقرأ له الكف وفنجان القهوة وتزينها، لكن موزة لم تلبث في النهاية أن حزمت أمتعتها، وودّعت الجميع وهي تؤكد لهم أنها لا ترغب في رؤيتهم حتى آخر العمر.
وهناك حكاية وداد قروي وهي مذيعة سابقة، تبكي مجدها وشهرتها الضائعة وتبحث عن استعادتهما بأي ثمن، فتتعلق بعرض غير جاد للقيام بدور في فيلم سينمائي، وتتعلق بحبيب الله بحثاً عن حب افتقدته.
وتوجد حكاية فايز ناصف، وهو شاعر توقف عن الإبداع، وتفرغ للنقد الانطباعي والتعليقات الشفاهية، يعمل بالصحافة، لكنه لم يتحقق فيها إلى الدرجة التي ترضيه، ويشعر دوماً بأن عمره يضيع بلا جدوى. وهناك حكاية الحاج حسين، صاحب محل في خان الخليلي، والذي احتضن حبيب الله بعد وفاة والده، ونقله من الاتجار بالعملة إلى السياحة، فوضعه على أول طريق الثراء على مصراعيه.
لكن الحكايات الفرعية تتقاطع مع الحكاية المركزية، فتضيف إليها، وتبني عليها، وتضيف لها ثراءً ملحوظاً، وتصبح في النهاية مسارات جانبية لبطل الرواية، الذي يلتقي أغلب الشخصيات، ويعرف عنها أشياء كثيرة، لاسيما أنه هو نفسه «الراوي» الذي يرسم ملامح الشخصيات ويحدد تاريخها ويصف الأماكن ويمنحها خصوصيتها ويطلق الحكمة ويعطيها حضورها الأخاذ في مواضع عدة من الرواية.
وإذا تركنا الحكاية وبطلها أو راويها «العليم» وذهبنا إلى بنية الرواية وبيئتها، فنجد أنها حافلة بمواطن التشكيل الجمالي للغة في سطورها المتتابعة وجملها وعباراتها المتتالية، لاسيما أن ناجي يحرص على المزاوجة بين لغة مشحونة بالبلاغة، وبين أخرى تعتمد على السهل الممتنع والبساطة الآسرة، وهي مسألة ملتصقة بطريقته في الكتابة منذ عمله الأول، لاسيما أنه دخل إلى عالم الرواية من باب الشعر، حيث كانت الجماعة الأدبية تعرفه شاعراً، حتى فاجأها بروايته الأولى عام 1994، وهو في السابعة والأربعين من عمره.
ورغم ما ذكرته سابقاً من حالات لترهل السرد فقد حافظ ناجي في بعض المواقع على استخدام الكلمات الدالة، التي يغني حضورها عن عبارات كثيرة أو صفحات عدة، مثل كلمة «حصل» التي تأتي قبل المضاجعة أو كلمة «اشتغلتها» التي تسد مكان حديث مسهب عن التلاعب والمخاتلة والخداع، وكلمة «أنبض» التي تحل محل تناول مطول عن يقظة الشهوة الجنسية والتأهب للفراش.
ويطوع محمد ناجي الخيال لخدمة الواقع، لينطلق منه إلى التخيل، في لعبة دائرية تقوم على تبادل للمنافع والمواقع بين ما يجري في عالم الشهادة وما نعلمه أو نُخمنه أو نتوقعه عن عالم الغيب.
وهنا تبرز الأشياء لتعطي معاني رمزية، مثل الأحجار الكريمة التي يوظفها لخدمة القضايا والمواقف التي تنطوي عليها الرواية، أو «نموذج الكرة الأرضية»، الذي يقتنيه عم البطل، ليتابعها وهي تدور ويحكي حكاية الجد حمروش الأسطورية. وهناك أيضاً حكاية «ستنا» التي تزينت لحبيبها فخدعها وصارت أمثولة أو «ولي» له مريدون ويقام له مولد.
وتوجد كذلك مسألة الكارنيهات والأختام التي يمتلكها الموظفون، ويراها الحاج حسين:
«تعاويذ العصر السحرية».
ويقول لحبيب الله، وهو يشير إلى شهادة الميلاد المزورة التي استخرجها لنور:
«بدون هذا التوقيع وهذا الختم لا وجود للإنسان في الحياة. ربك يخلق كما يشاء، وهم الذين يثبتون وجودك من عدمك في هذه الدنيا. أختامهم حجج، وتوقيعاتهم قضاء نافذ، وكل شيء عن أرزاقنا وأعمارنا مكتوب عندهم».
وهناك راديو (مذياع) سى كلام الذي مات وتركه فتحول في الرواية إلى رمز يدل على عالم حبيب الله القديم الذي افتقده، وكان كلما يحن إليه يعود إلى هذا المذياع ليتسمع وشوشاته البعيدة.
أما الواقع فيسيطر عليه الخيال، وتتحول الشخصيات إلى رموز، فيصبح حبيب الله رمزاً لـ«الواطي» كما تردد نازك دوماً، وتصبح نازك رمزاً للتضحية، وهذه الرموز وتلك المعاني الكبرى المرتبطة بمبادئ وقيم راسخة في حياة الإنسانية تسيطر على عقل محمد ناجي وقلمه، فتجعل شخصيات روايته لا تدور في فراغ، إنما تحال دوماً إلى ما تعارف عليه الناس في تقسيم البشر وتصنيفهم، تعبر عنه الرواية ذاتها على لسان حمروش حين كان يطوف كل ليل حول السور في انتظار الفجر، ويقول: «البحر واحد، والسمك ألوان». وعلى هامش كل هذا تصبح سيدة الغناء العربي أم كلثوم رمزاً عن مرحلة الأحلام العريضة و«الزمن الجميل»، وأحمد عدوية عن مرحلة التداعي.