محمود مرزوق يكتب: محمد صادق باشا.. أول مصوِّر للحرمين

كتب: محرر

محمود مرزوق يكتب: محمد صادق باشا.. أول مصوِّر للحرمين

محمود مرزوق يكتب: محمد صادق باشا.. أول مصوِّر للحرمين

كان القرن التاسع عشر هو العصر الذهبي لازدهار حركة الاستشراق، لا سيما الاستشراق في جانبه الفني؛ فتقاطر على حواضر الشرق فنانون أوروبيون رسموا بريشتهم الساحرة ملامح وحركة الحياة والناس فى القاهرة وبغداد ودمشق وحلب وغيرها.

وظل هؤلاء الفنانون يتحرقون شوقا لزيارة بلاد الحجاز وتوثيق الحرمين الشريفين فى مكة والمدينة المنورة، غير أن المجال كان مغلقا في وجه المستشرقين الأوروبيين بسبب ما اتُّفق عليه من منع غير المسلمين من دخول المدينتين المقدستين، ولذا كان تصور العالم عن مكة والمدينة قائما على التخيل لا المشاهدة.

وعندما اختُرعت الفوتوغرافيا وذاع صيتها فى منتصف القرن التاسع عشر، انتظر العالم من جديد من يحمل الكاميرا ويوثق المشاعر المقدسة في أرض الحجاز.

وبالفعل، نال هذا الشرف الفريد الضابط والرحالة المصري محمد صادق باشا، الذي كان أول من يُوثق بعدسته معالم مكة والمدينة وينقل صورة واقعية لهذه الأماكن التي تهفو لها الأفئدة.

وُلد محمد صادق في القاهرة عام 1822م، في حقبة كانت مصر تخوض فيها تجربة النهضة الحديثة على يد محمد علي باشا.

التحق بالمدرسة الحربية، وهناك تلقى معارف شتى منها: علم الطبوغرافيا، ورسم الخرائط، والهندسة المساحية.

وبفضل نبوغه وتفوقه، اختير للسفر إلى باريس ضمن بعثة علمية ضمت الخديوي إسماعيل والأمير أحمد نجلي إبراهيم باشا.

لم يكتفِ صادق بالعلوم العسكرية، بل فُتح له باب عالَم آخر جديد: فن التصوير الفوتوغرافى الذى كان حينئذٍ اختراعاً حديث العهد؛ فدرس التصوير باحتراف فى معهد «البوليتكنيك»، وعاد إلى مصر ليعمل مدرساً للرسم فى المدرسة الحربية. ومع تقادم السنين، أُسندت لمحمد صادق مهام جسيمة اقتضت أن يسافر لأرض الحجاز ثلاث مرات بين عامَى 1860 و1884م.

فى الزيارتين الأوليين، اضطلع بمهمة رسم الخرائط وتأمين طرق الحجاج، وكان مكلفاً عام 1861م بمسح الطريق بين ميناء جدة والمدينة المنورة لأغراض استراتيجية. وقد سجّل فى مذكراته وهو يصوّر المسجد النبوى فى الحادى عشر من فبراير 1861م: «لم يسبق أحدٌ إلى التقاط مثل هذه الصور من قبل»، وكان مُحقاً فى ذلك تماماً.

أما الرحلة الثالثة عام 1880م، فكانت الأهم والأكثر ثراءً؛ فقد جرى تكليفه ليكون «أميناً لصرة المحمل المصرى»، وهى مهمة دقيقة لا تُسند إلا إلى رجل أريب عركته التجارب.

وبموجب هذه المهمة، يتولى أمين الصرة مسئولية الإنفاق على تسيير المحمل حتى وصوله إلى مكة وتسليم كسوة الكعبة، ومن ثم أداء شعائر الحج والعودة إلى القاهرة.

ويتخلل هذه الرحلة الشاقة مهمة توزيع الصدقات والعطايا لفقراء الحرمين، وهى مهمة استلزمت قدراً كبيراً من الحنكة وحسن التدبير.

ولم تمنع هذه المهمة الشاقة صادق باشا من ممارسة هوايته؛ فأحضر معه كاميرته وبدأ يوثّق ما لم تلتقطه عدسة من قبل: الكعبة المشرفة والطائفين حولها، والمسجد الحرام والمسجد النبوى، ومخيمات الحجاج فى مِنى وعرفات، مستخدماً جدران المساجد وأسطحها نقاطاً لرصد صور بانورامية تُبيِّن عظمة المشهد وهيبته.

بعد عودته، جمع صادق باشا اثنتى عشرة صورة من أبرز ما التقطه فى ألبوم حمل عنوان: (Collection de Vues Photographiques de La Mecque et de Médine)

تضمّن أربع صور بانورامية للمدينتين المقدستين ومحطات الحج.

نشرت الألبوم الجمعيةُ الجغرافية الخديوية، وكانت تكلفة الصورة الواحدة تبلغ أربعين فرنكاً بدون إطار، وخمسين فرنكاً مثبتةً على ورق مقوى. قُدِّم هذا الألبوم فى مؤتمر الجغرافيين الدولى الثالث بمدينة البندقية عام 1881م، فأحدث دوياً هائلاً فى الأوساط الجغرافية الأوروبية، ومُنح عليه الميدالية الذهبية، ثم كُرِّم مرةً أخرى بميدالية ذهبية فى مصر عام 1887م.

وقد استضافت الجمعية الجغرافية الخديوية صادق باشا ثلاث مرات ليحاضر أمام أعضائها عن رحلاته ومشاهداته، فيما وجدت صوره إقبالاً منقطع النظير من المجلات العربية والأوروبية على حدٍّ سواء.

تمتلك اليوم «مجموعة ناصر داود خليلى» المختصة بروائع الفن الإسلامى عامة وروائع فنون الحج خاصة، المجموعة الكاملة لألبوم صادق باشا التاريخى، وهى من أندر الأرشيفات التوثيقية فى العالم. تشمل الصور المحفوظة بانوراما الكعبة المشرفة والحرم المكى، وبانوراما الحجاج فى مِنى يوم عيد الأضحى، وصوراً لشخصيات بارزة كـ«شوكت باشا» شيخ الحرم المدنى، وحامل مفاتيح الكعبة الشيخ «عمر الشيبى».

تكشف ألبومات صادق باشا عن مستوى احترافى رفيع يمزج بين وعى المسّاح الجغرافى ووجدان المسلم المتعلق بالمشاعر المقدسة.

لم يكتفِ صادق باشا بالصورة، فأصدر ثلاثة مؤلفات رئيسية: «مشعل المحمل» عام 1881م، و«كوكب الحج فى سير المحمل بحراً وبراً» عام 1886م، و«دليل الحج للوارد من مكة والمدينة» عام 1896م.

توفي صادق باشا في القاهرة عام 1902م، بعد حياة حافلة بالاكتشاف والتوثيق، والدأب والمغامرة، بعد أن دخل التاريخ وحاز السبق فى ميدان التصوير والتوثيق.


مواضيع متعلقة