أوجاع «الأفندي» (3)

من المدهش في رواية «الأفندي» للأديب محمد ناجي تناغم إيقاع اللغة مع طبيعة الأحداث والمواقف، وتطابق المعمار مع الوقائع، ففي الجزء الأول من الرواية الذي يغطي عقدي الخمسينات والستينات من القرن العشرين جاءت اللغة غارقة في الشاعرية، متوائمة مع «الطرب السياسي» حسب تعبير المؤلف، الذي ارتبط بالأحلام الكبرى، وبوطن ممتد من «المحيط الهادر إلى الخليج الثائر»، فلما وصلت الحكاية إلى زمن الانفتاح تسارع إيقاع اللغة وخفّت بلاغتها وحفلت بألفاظ وتراكيب عامية دارجة تتماشى مع طبيعة المرحلة.

وحين تحل المواضع الأسطورية في الرواية تكتسي اللغة بسجع يشبه المتعارف عليه في الحكايات العربية الشهيرة وفي مقدمتها «ألف ليلة وليلة»، أما حين يأتي الواقع تعود اللغة إلى الناس، فتنتمي إلى ألسنتهم، فُصحى في الغالب، وعامية مصطفاة في مواقع نادرة، ثم يستقيم الحوار بين أخذ وردّ متبع في حياتنا التي تجري. ومن حيث المضمون المرتبط بالسياق الاجتماعي/ السياسي والعلاقات الزمانية/ المكانية نجد أن الرواية تنفتح على تأويلات مختلفة، وتبدو طيّعة لقراءات ومداخل عدة، في مطلعها القراءة السياسية عطفاً على لحظة البداية المرتبطة بميلاد بطلها «حبيب الله الأفندي» وقت حريق القاهرة في يناير من عام 1952 ولحظة النهاية المتوازية مع سقوط بغداد في التاسع من أبريل عام 2003، وما تخللهما من أحداث ذُكرت تباعاً في ثنايا السرد من قبيل الحروب التي خاضتها مصر وبناء السد العالي وسياسة الانفتاح والحادث الإرهابي الذي وقع بمدينة الأقصر عام 1997.

وهذه القراءة تجعل من الرواية شهادة بليغة لما جرى لمصر على مدار نصف قرن كامل، عبر تتبُّع المحطات التي مرّ بها بطل الرواية، بدءاً بعلاقته بأبيه الذي كان يعشق عبدالناصر ولا يرتاح للسادات، ثم استفادته من «السداح مداح» الذي صاحب الانفتاح في الاتجار بالعملة، ثم العمل بالسياحة فالسمسرة وفتح شركة صرافة وأخيراً الإنتاج السينمائي، وكل هذا جعله يحصد الملايين في سنوات قصيرة.

ويمكن قراءة «الأفندي» بمدخل فلسفي لأنها حافلة بأطر كلية أو نظرة محددة إلى الكون والحياة، تقوم على (الله/ البشر/ العالم/ الأسطورة/ الموت) فكل هذا حاضر في ثنايا الرواية، تلخصه عبارات عديدة مثل هذه التي جاءت على لسان «نازك» وتقول فيها: «كل ما يخطر على بالنا لا بد أن يكون، هل هناك شيء أكبر من قدرته، سبحانه».

وتلك التي أتت على لسان «فايز» ويقول فيها: «ماذا يبقى في النهاية غير هذا الشعاع التائه الحزين، الفكرة»، التي تناقضها عبارة يقولها حبيب الله في موضع سابق وهي: «لا أفهم معنى أن تهب حياتك لفكرة، تظل تطاردها وتطاردك حتى يضيع عمرك. أنا أتشبث بنفسي، أتمسك بتلك الفرصة النادرة، الجسد».

ويبلغ الأمر ذروته مع التفلسف حول ما إذا كان الإنسان مجرد «حيوان له ذاكرة» والتي طرحها الراوي حين زار الحاج حسين بعد أن أصيب بألزهايمر فوجده خارجاً عن العالم، وكذلك حين يتحدث عن أن «المادة لا تفنى، وأننا لا يمكن أن نضيع سدى، وسنظل مندمجين في الكون بشكل أو بآخر»، وحين يقول أيضاً: «أظن أن في داخل كل إنسان كائناً آخر متأملاً، يستقبل الأمور بلا حزن وبلا ابتهاج».

كما يمكن قراءة الرواية قراءة اجتماعية تنبني في أولها على صورة المرأة في ثنايا النص، التي جاءت سلبية، فهي إما متهربة من مواجهة الحقيقة مثل موزة أو تافهة كوداد أو غامضة متلاعبة كنازك أو انسحابية كأم حبيب الله أو سليطة متواطئة كـ«أم لسان»، وتنبني في ثناياها على تأثير الانفتاح الاقتصادي على بنية المجتمع المصري والعلاقات الاجتماعية والحالة الثقافية، حيث سيطرت التفاهة على السينما التي يسميها الراوي «السينما التبقيعية» أي التي تقوم على تلفيق المشاهد والمواقف وحشوها بالنكات السخيفة والحكايات الساذجة، وحدث الشيء نفسه للكتابات الأدبية، التي تأتي سريعة سطحية.

لكن الفهم المتكامل لهذه الرواية البديعة يتطلب استخدام هذه المداخل جميعاً، سواء ما يرتبط بالبنية أو ما يتعلق بالسياق، كي نفهم كيف سقط بطلها وسقط معه كثيرون، بل سقط وطن بأكمله، ما تفصح عنه العبارة الأولى في الرواية والتي تقول: «كنت من أحباب الله مثل كل الأطفال، لكنني فقدت ذلك، أعتقد الجميع أيضاً، يحدث ذلك بالتدريج».