مصر وفرنسا.. شراكة القوة والتوازن في مواجهة عواصف المنطقة
منذ تولي الرئيس عبدالفتاح السيسي المسئولية، دخلت العلاقات المصرية الفرنسية مرحلة جديدة اتسمت بالعمق الاستراتيجي والتنسيق الشامل، لتتحول الشراكة بين القاهرة وباريس من مجرد تعاون تقليدي إلى نموذج متكامل يجمع بين المصالح السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية.
ولم تعد العلاقة بين البلدين مجرد تقارب دبلوماسي عابر، بل أصبحت أحد أعمدة التوازن الإقليمي في منطقة تموج بالأزمات والصراعات والتحديات المتسارعة.
وعلى مدار السنوات الماضية، أثبتت فرنسا أنها شريك موثوق لمصر فى واحدة من أكثر الفترات دقة فى تاريخ المنطقة، خاصة مع تصاعد تهديدات الإرهاب، وازدياد حدة الصراعات الإقليمية، وتنامى التحديات المرتبطة بأمن الحدود وحماية الثروات الاقتصادية وممرات الملاحة الدولية. وفى المقابل، رسّخت مصر مكانتها كقوة إقليمية محورية تمتلك رؤية واضحة لإدارة الأزمات وتحقيق الاستقرار، وهو ما خلق حالة من التفاهم السياسى والاستراتيجى غير المسبوق بين البلدين.
ويبرز التعاون العسكرى باعتباره العنوان الأهم فى العلاقات المصرية الفرنسية خلال عهد الرئيس السيسى، حيث شهدت منظومة التسليح المصرية طفرة نوعية اعتمدت على تنويع مصادر السلاح وعدم الارتهان لاتجاه واحد، بما يضمن الحفاظ على استقلال القرار الوطنى المصرى، وقدرة القوات المسلحة على مواجهة مختلف التهديدات الحديثة.
وفى هذا الإطار، شكّلت صفقة مقاتلات الرافال نقطة تحول استراتيجية فى تاريخ القوات الجوية المصرية، ليس فقط باعتبارها واحدة من أحدث المقاتلات متعددة المهام فى العالم، وإنما لأنها جسدت الثقة السياسية المتبادلة بين القاهرة وباريس. فقد أدركت القيادة السياسية المصرية مبكراً طبيعة التحولات الإقليمية، وضرورة امتلاك قدرات قتالية متطورة تتناسب مع حجم التحديات التى تواجه الدولة المصرية، سواء فى مكافحة الإرهاب أو حماية الأمن القومى فى دوائر التحرك المختلفة.
ولم يتوقف التعاون عند حدود سلاح الجو، بل امتد ليشمل تطوير القدرات البحرية المصرية بصورة غير مسبوقة، عبر حصول مصر على حاملتى المروحيات «جمال عبدالناصر» و«أنور السادات»، اللتين تمثلان إضافة استراتيجية هائلة لقدرات القوات البحرية المصرية، خاصة فيما يتعلق بسرعة التحرك، وتأمين المصالح المصرية فى البحرين الأحمر والمتوسط، ودعم مهام الإغاثة والتدخل السريع وحماية الأمن البحرى.
كما عززت مصر قدراتها البحرية بالحصول على الفرقاطة «تحيا مصر»، إحدى أحدث الفرقاطات القتالية عالمياً، إلى جانب التعاقد على فرقاطات «جويند»، فى خطوة حملت بعداً استراتيجياً آخر يتمثل فى نقل الخبرات والتصنيع المشترك، حيث تم بناء ثلاث فرقاطات داخل الترسانة البحرية المصرية بأيدٍ مصرية، وهو ما يعكس رؤية الدولة المصرية فى توطين الصناعات العسكرية وتعزيز القدرات الوطنية.
هذا التطور الكبير فى التعاون العسكرى لم يكن قائماً فقط على صفقات السلاح، وإنما على بناء شراكة ممتدة فى مجالات التدريب والتأهيل ونقل الخبرات. ولذلك، أصبحت التدريبات المشتركة بين الجيشين المصرى والفرنسى عنصراً ثابتاً ضمن خطط التعاون العسكرى السنوية، سواء عبر تدريبات «كليوباترا» البحرية، أو «نفرتيتى» الجوية، أو «رمسيس» العسكرية، فضلاً عن التدريبات العابرة فى البحرين الأحمر والمتوسط.
وتكتسب هذه المناورات أهمية استثنائية لأنها لا تقتصر على رفع الكفاءة القتالية للقوات المشاركة، بل تسهم أيضاً فى توحيد المفاهيم العسكرية، وتطوير أساليب التعامل مع التهديدات غير التقليدية، وعلى رأسها الإرهاب والجماعات المسلحة والهجمات غير النظامية، إلى جانب تبادل الخبرات فى بيئات عمليات متنوعة تحاكى سيناريوهات واقعية معقدة.
وفى الجانب السياسى، تبدو القاهرة وباريس أكثر تقارباً من أى وقت مضى تجاه قضايا المنطقة، إذ يجمعهما إيمان راسخ بأن الحلول السياسية تظل الطريق الوحيد لإنهاء الأزمات، بعيداً عن الفوضى العسكرية أو سياسات التصعيد.
ففى الملف الليبى، تتفق مصر وفرنسا على ضرورة الحفاظ على وحدة الدولة الليبية ومؤسساتها الوطنية، ودعم المسار السياسى تحت مظلة الأمم المتحدة، مع رفض أى محاولات لتفكيك الدولة أو السماح بتمدد التنظيمات المسلحة والإرهابية التى تهدد أمن المنطقة بالكامل. وقد لعب البلدان دوراً مهماً فى دعم وقف إطلاق النار ومنع انزلاق ليبيا إلى مزيد من الفوضى.
أما فى القضية الفلسطينية، فيجمع القاهرة وباريس موقف واضح يدعم حل الدولتين باعتباره المسار الوحيد لتحقيق السلام العادل والشامل، مع التأكيد على حق الشعب الفلسطينى فى إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. وفى هذا السياق، تتحرك فرنسا داخل أروقة الاتحاد الأوروبى لدعم هذا التوجه، بينما تواصل مصر دورها التاريخى باعتبارها الوسيط الرئيسى والقوة الأكثر تأثيراً فى جهود التهدئة واحتواء التصعيد.
كما يمتد التفاهم المصرى الفرنسى إلى ملفات أكثر تعقيداً، مثل التوترات بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، حيث يتفق الطرفان على أن إدارة الأزمات ومنع انفجارها يبقى الخيار الأكثر عقلانية، إدراكاً لحجم التداعيات الكارثية التى قد تترتب على أى مواجهة مفتوحة فى المنطقة.
ويظل ملف مكافحة الإرهاب أحد أكثر الملفات التى تعكس عمق الثقة بين البلدين، عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية والخبرات الأمنية، والتنسيق فى مواجهة التنظيمات المتطرفة وتجفيف منابع تمويل الإرهاب، فى ظل قناعة مشتركة بأن الإرهاب لم يعد خطراً محلياً، بل تهديد عابر للحدود يستهدف استقرار الدول وأمن الشعوب.
إن الرسالة الأهم التى تعكسها قوة العلاقات المصرية الفرنسية اليوم، هى أن الشراكات الحقيقية تُبنى على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل والرؤية السياسية المتقاربة. كما تؤكد هذه العلاقة أن مصر، بقيادة الرئيس السيسى، استطاعت أن تفرض نفسها لاعباً إقليمياً رئيسياً يمتلك قراراً مستقلاً ورؤية متوازنة، بينما تنظر فرنسا إلى القاهرة باعتبارها شريكاً محورياً لا غنى عنه فى معادلات الأمن والاستقرار بالشرق الأوسط والبحر المتوسط وأفريقيا.
ومع استمرار التحديات الإقليمية والدولية، تبدو آفاق التعاون بين البلدين مرشحة لمزيد من التوسع، سواء فى المجالات العسكرية أو السياسية أو الاقتصادية، بما يعكس إدراكاً متبادلاً بأن أمن واستقرار المنطقة لن يتحقق إلا عبر شراكات قوية تقوم على التفاهم والثقة والعمل المشترك.