حوار مع المشير
اتصلت به في تمام الساعة التاسعة صباحا، قالوا لى إنه يستيقظ مبكراً، رد على التليفون، صباح الخير يا فندم، صباح الخير، أنا عمرو الليثي يا فندم مقدم برنامج اختراق في التليفزيون المصري، أهلاً وسهلاً، قلت له: سيادة المشير، الحقيقة أنا كان ليا رغبة شديدة إن أنا أسجل مع حضرتك حلقة عن حرب أكتوبر بمناسبة احتفالات أكتوبر.. الحقيقة يا أخ عمرو أنا يعني بقالي فترة مش بحب اتكلم في الإعلام، لكن أنا شاهدت بعض حلقات من «اختراق» وماعنديش مانع من ناحية المبدأ.. طيب يا فندم حضرتك تحب آجي لسيادتك فين أسجل مع حضرتك، تحب آجي فى البيت يا فندم؟
قال لي: لا لا، أنت مكتبك فين؟ قلت له: في المهندسين، قال لي: أنا أجيلك، قلت له: يا فندم ده شرف كبير جداً إن سيادتك يعني تجيلي، قال لي: لا لا أنا أجيلك.
وبالفعل، وبعد مرور 48 ساعة فى تمام الساعة الثانية عشرة ظهراً كان يشرفنى فى مكتبى المشير الجمسى، وكان لقاء من أهم اللقاءات التى أعتز بها فى تاريخ مشوارى المهنى الطويل، خصوصاً أنه مع شخصية من أهم الشخصيات التى كان لها دور كبير فى حرب أكتوبر.
جلست معه واحتسينا القهوة معاً.
كان رجلاً عسكرياً من الطراز الأول، قلت له: من أين نبدأ؟ رد قائلاً: زى ما أنت عايز، رددت قائلاً: من حكاية الكشكول.. رد: كشكول! ثم ما لبث أن ضحك بتحفظ.. آه قصدك كشكول حرب أكتوبر، فرددت مبتسماً: بل كشكول الجمسى، فابتسم.. أنا جبتهولك معايا.. وإذا بالشنطة الجلدية التى يمسك بها يُخرج منها كشكولاً قديماً، أمسكته بيدى وفتحته، فوجدت صفحات مكتوبة بالقلم الرصاص.. قلت له: يا فندم ده مكتوب بالرصاص، هز رأسه: دى خطة حرب أكتوبر ومكتوبة بالرصاص ومفيش منها نسخة تانية، وبدأت الحوار الذى أعتبره حواراً نُشر بعضه والبعض الآخر لم يُنشر فى ذلك الوقت، وهذا هو نصه:
■ كيف كانت علاقتك بالسادات؟
- لم تكن هناك علاقة على الإطلاق قبل الثورة، فعندما كنت فى القوات المسلحة كان هو خارج الخدمة يتم البحث عنه ومطاردته بواسطة أجهزة الأمن المدنية، ولم نتصل ببعض حتى قامت الثورة، وبعد ذلك عرفت أنه أحد الضباط الأحرار، ورغم ذلك لم تقم بينى وبينه أى علاقات ولم أتصل به إلا بعد أن أصبح رئيساً للجمهورية، وذلك بسبب طبيعة العمل، حيث كنت أذهب إليه بصفتى الرسمية كرئيس لهيئة عمليات القوات المسلحة حتى خرجت من الخدمة ولم يحدث بينى وبينه أى خلاف على الإطلاق.
■ بماذا تفسر المقولة التى قالها السادات أنه يجب أن يعين الجمسى مشيراً للقوات المسلحة مدى الحياة ثم نفاجأ بعد يومين بإقالتك أو أنك قدمت الاستقالة؟
- لا أعلم إذا كان السادات قال هذا الكلام أم لا، لكن عندما عاد من كامب ديفيد طلبنى لوحدى وقال لى: «اسمع يا جمسى، أنا أتيت بك من أجل أن أقول لك إننى سوف أغير وزارة ممدوح سالم وسوف يترأسها مصطفى خليل»، ولم أطلب منه أى شىء، حيث كنت وزيراً للحربية فى تلك الوزارة، ولم يطلب هو منى أيضاً أى شىء، وقلت له: حاضر.
وعندما صدر قرار بتعيينى مستشاراً له قلت له: المستشار العسكرى لسيادتك هو وزير الحربية لأنه عنده الوثائق وكل حاجة، ووجدت أننى طاقة معطلة، وهذا مكان ليس مكانى، ورأيت أننى بعد 40 سنة خدمة فى القوات المسلحة وصلت خلالها إلى أعلى المناصب العسكرية كقائد عام للقوات المسلحة، ومن الناحية المدنية كنت نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع، ولهذا وجدت أنه قد آن الأوان لأترك المجال لغيرى، ولهذا تقدمت باستقالتى.
■ ماذا حدث فى مفاوضات الكيلو 101 وما تفاصيلها؟
أود أن أقول شيئاً: بعد أن انتهت الثغرة كانت قواتنا فى الضفة الشرقية والغربية قوية بما فيه الكفاية لمواصلة القتال ولكن القرارات السياسية التى تم اتخاذها بعد ذلك لم نطالب بها، أو بمعنى آخر أن الرجل السياسى فى وزارة الخارجية مع القائد الأعلى للقوات المسلحة هما اللذان تصرفا فيها، أما بخصوص تفاصيل مفاوضات الكيلو 101 بعد أن تم وقف القتال بناء على قرارات مجلس الأمن أرقام 338 و339 -34 فوجئت بالفريق أحمد إسماعيل يقول لى إنه تم اختيارك للتفاوض مع الجانب الإسرائيلى.. فقلت له «يا خبر أبيض.. ولماذا؟»، فرد علىّ: من أجل اتفاق سياسى تم بين الدولتين الكبار أمريكا والاتحاد السوفيتى ووافقوا على وقف القتال ونحن علينا التفاوض لفض الاشتباك بين قواتنا وقوات العدو، حيث حدث فى هذه الفترة ما يقرب من 452 اشتباكاً تم تكبيدهم فيها خسائر كبيرة.
فقلت للفريق أحمد إسماعيل: ابحثوا عن واحد غيرى يذهب لهذه المفاوضات، لكنه قال لى: لقد تم عقد اجتماع برئاسة الرئيس السادات ووزير الخارجية وأكدا ضرورة مشاركتك فى المفاوضات لأنك رئيس العمليات وتعلم كل شىء عن وضع الجيش هنا وهناك، وقال لى: لا بد أن تنفذ.. فقلت له: حاضر، ثم بعد ذلك أخذت معى مسئول سيادى كبير والسفير عمرو موسى من وزارة الخارجية لمعرفة الموقف ولتكون الأمور واضحة، وبدأت المفاوضات فى جو مشحون وكلام لا معنى له لم يدخل «دماغى»، حيث أخذ رئيس الوفد الإسرائيلى يتحدث عن السلام فقلت له: نحن أتينا إلى هنا لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 338 وأنا جئت للحديث عن الموضوع العسكرى، إذا لم يكن هناك عضو عسكرى سوف ننسحب، وبعد هذا الكلام بدأنا الحديث عن الموضوع العسكرى، وتعددت اللقاءات حتى جاء كسينجر فى 6 نوفمبر 73 بعد الحرب مباشرة لزيارة مصر وذهب لرئاسة الجمهورية وجلس مع السادات وبدأت عمليات إعادة العلاقات العسكرية بيننا وبين أمريكا، وبدأ الحديث عن السلام وعلاقاتنا مع إسرائيل، بالإضافة إلى إثارة موضوعات أخرى لم نتدخل فيها لأنها من اختصاص السياسيين، وطلب كسينجر فك الحصار عن باب المندب، ثم بعد ذلك استمرت المفاوضات العسكرية، وتم وضع الاتفاقيات لفك الاشتباك وصدّق عليها كلا البلدين.
■ ما الأسباب الرئيسية لوقوع الثغرة؟
السبب الرئيسى الجسر الجوى الأمريكى الذى أجّل عمليات تطوير الهجوم المصرى الذى كان مقرراً يوم 13 أكتوبر وتأجل ليوم 14 أكتوبر لأن طائرة أمريكية جاءت من البحر المتوسط إلى الأجواء المصرية حتى بورسعيد ثم الإسماعيلية ثم سفاجا وقنا ثم الدلتا، ولم تستطع قوات الدفاع الجوى التعامل معها لأنها كانت على ارتفاع 27 كم والمدى للصواريخ المصرية كان لا يتعدى 25 كم.
كما كانت سرعتها أسرع ثلاث مرات من سرعة الصوت، وعند قيام الفرقة المدرعة بتطوير هجومها يوم 14 أكتوبر خسرت دبابات كثيرة بسبب الأسلحة الجديدة التى قدمتها أمريكا لإسرائيل فتعثر الهجوم، ولهذا فكر الإسرائيليون فى عمل هجوم مضاد حتى تعود القوات المصرية للخلف، والتى كانت فى القطاع الأوسط، وركزوا جهودهم بفرقة كاملة بحيث تمر من الفرقة المصرية التى تعثرت فى الهجوم حتى وصلوا إلى منطقة الدفرسوار شرق القناة واستطاعوا عبور القناة بقوات صغيرة حوالى 7 دبابات، ولم تستطع القوات المصرية أن تكتشفها، وكان قائد قواتنا الموجودة فى المنطقة الفريق سعد مأمون الذى حدثت له أزمة قلبية، وتم إرسال قائد آخر وبدأ التعامل مع القوات الإسرائيلية، لكن لم تستطع، وتم عرض الموقف على الرئيس ليتم وضع خطة لسد هذه الثغرة بإرسال لواء من الضفة الشرقية ولواء مدرع من الجنوب حتى انحصرت القوات الإسرائيلية التى بدأت تزيد من قواتها وتريد أن تتوجه ناحية الإسماعيلية والسويس، وكذلك قمنا نحن بزيادة قواتنا وتأزم الموقف، لذلك تم عقد اجتماع للقيادة العامة للقوات المسلحة بحضور الرئيس لتقدير الموقف، وتم الاتفاق على أن تقوم القوات الموجودة بالضفة الغربية بالاشتباك فى المعارك وعدم الاستعانة بالقوات الموجودة بالضفة الشرقية، واستمر الحال حتى يوم 22 أكتوبر، حتى صدر قرار الأمم المتحدة رقم 338، لكننا استمررنا فى القتال حتى نكبد العدو أكبر خسائر، ثم تدخلت أمريكا والاتحاد السوفيتى وإنجلترا بمشروعات سياسية لوقف القتال.
كان ذلك جانباً من جوانب اللقاء مع المشير الجمسى الذى أعتبر اللقاء معه من أهم اللقاءات التى أعتز بها فى تاريخ مشوارى المهنى الطويل.