ضغوط العمل والسرعة وغياب وسائل الأمان.. «عمال الديليفري» بين سباق الوقت وشبح الموت

كتب: منى السعيد

ضغوط العمل والسرعة وغياب وسائل الأمان.. «عمال الديليفري» بين سباق الوقت وشبح الموت

ضغوط العمل والسرعة وغياب وسائل الأمان.. «عمال الديليفري» بين سباق الوقت وشبح الموت

تحقيق: منى السعيد

تصوير: سعيد حمدي

في نهاية أغسطس الماضى، كان أحمد صلاح، «27 عاماً»، الذي يعمل في توصيل الطلبات في واحدة من أكبر شركات التوصيل، يقود دراجته النارية على طريق سريع بعد منتصف الليل، لتوصيل أحد الطلبات، عندما ظهرت فجأة سيارة كانت تسير بسرعة مرتفعة بشكل عكسى، ولم يستطع رؤيتها إلا بعد أن صدمته، ليسقط على رأسه، وهو ما تسبَّب في إصابات بالغة، تضمنت كسوراً متعددة بالوجه ونزيفاً داخلياً وخارجياً.

لم تكن حادثة «أحمد» استثناءً، بل واحدة من وقائع كثيرة تتكرر يومياً على الطرق، بدرجات متفاوتة من الشدة، مقارنة بتلك التي تعرَّض لها. فالحوادث بالنسبة لعمال التوصيل لا تقتصر على الوقائع المأساوية فقط، بل تشمل أيضاً إصابات بسيطة ومتكررة، قد يتعرَّض لها العامل أكثر من مرة خلال يوم عمل واحد فقط، نتيجة ضغط الوقت ومتطلبات التوصيل.

ومع توسع سوق توصيل الطلبات في مصر خلال السنوات الأخيرة تحولت هذه المهنة إلى مصدر دخل أساسي لآلاف الشباب، لكنها في الوقت نفسه باتت واحدة من أكثر المهن عرضة للخطر، حيث يعمل غالبية هؤلاء الشباب، وكثيرون منهم طلبة، في بيئة غير مستقرة، تعتمد على السرعة وعدد الطلبات الناجحة كمعيار أساسى للدخل، ما يدفعهم كثيراً للمخاطرة بحياتهم لتجنب خفض التقييم أو الخصومات.

حوادث عمال التوصيل

حوادث بلا تأمين مناسب

لثوانٍ قليلة فقط كان عامل التوصيل «أحمد» واعياً قبل أن يغيب عن الوعى بشكل كامل، وفيما بعد تعرَّف «الطيارون» الموجودون في المنطقة عليه من خلال ملابسه، فهرعوا لإنقاذه، وإبلاغ المشرف بالواقعة، وتعاونوا على نقله إلى المستشفي سريعاً.

ورغم أن المكتب الذي يعمل فيه «أحمد» كان قد وعده بالحصول على «تأمين ضد الحوادث»، إلا أن زملاءه أكدوا أنهم ذهبوا إلى عدد من المستشفيات المتعاقدة مع شركة التأمين، ولكنهم رفضوا استقباله دون أسباب واضحة، وهو ما اضطر العمال في النهاية إلى «تجميع بعض المال من بعضهم» لحصول زميلهم على رعاية في مستشفي خاص.

التقرير الطبى لحالة عامل التوصيل «أحمد»، الذي طلب تغيير اسمه بسبب وجود مفاوضات للحصول على حقه في العلاج، أكد إصابته بكسور متعددة في الوجه والرأس منها «كسر بالجمجمة، وكسر بعظام الوجه، وكسر بالفك»، وهو ما استوجب دخوله الرعاية المركزة لمدة 3 أسابيع، حيث كانت حالته ميئوساً منها.

هرعت أسرة «أحمد» إلى المستشفى، وبسبب التكلفة المرتفعة أرادو نقله إلى محافظتهم في الصعيد، إلا أن الطبيب رفض بسبب سوء حالته، حيث بقى في الرعاية المركزة 3 أسابيع، ثم في الرعاية المتوسطة لمدة أسبوعين، أجرى خلالها عديداً من الأشعات، واحتاج لعديد من الأدوية، التي تكفلت أسرته بنفقاتها بشكل كامل.

بعد نحو 5 أسابيع من البقاء في المستشفي بدأ «أحمد» في استعادة وعيه، ورغم حصوله على الرعاية الأولية إلا أن طريق العلاج كان لا يزال طويلاً، فحاول التواصل مع المكتب الذي يعمل فيه لتوفير العلاج، ودعم العمليات الجراحية التي يحتاجها، فأخبروه بإجراء الجراحة أولاً والحصول على فواتير طبية ليتم صرفها لاحقاً.

وبسبب تدهور حالته الصحية، اضطر «أحمد» إلى تعجيل جراحة الفك التي تجاوزت تكلفتها 60 ألف جنيه -غير شاملة الإقامة والمصاريف العلاجية- وذلك بعد أن بدأت الكسور تلتئم بشكل خاطئ، تفادياً لسيناريو جراحى أكثر قسوة يتطلب إعادة كسر الفك وتثبيت شرائح ومسامير جديدة، مما يرفع التكلفة والأعباء الطبية.

وتحت ضغط الحاجة، ضحى أحمد بدراجته النارية فباعها بـ25 ألف جنيه فقط (بأقل من قيمتها السوقية) لتأمين جزء من المبلغ اللازم للجراحة، في حين تكاتفت أسرته وزملاؤه لإتمام ما تبقى من تكاليف الجراحة والمتطلبات العلاجية الأخرى.

عقب انتهاء الإجراء الجراحى، طالب «أحمد» الشركة بتعويض قيمة الفواتير الطبية، إلا أن شركة التأمين رفضت ذلك، وقام المكتب الذي يعمل بواسطته بسداد نصف التكلفة فقط، بعد انتهاء الجراحة بـ3 أشهر كاملة.

ويواجه أحمد حالياً تعنتاً من قبَل شركة التأمين التي رفضت تغطية نفقات علاجه المتبقية، والتي تشمل جراحتين بالفك السفلى وزراعة أسنان علوية تتطلب «زراعة عظام»، علماً بأن التكلفة التقديرية للجرام الواحد من العظام هى 1000 جنيه بدون تكلفة الزراعة نفسها، وهو سيحتاج إلى عدة جرامات، مما يضاعف من معاناته الصحية والمادية، فضلاً عن أنه متوقف عن العمل بشكل كامل منذ 7 أشهر تقريباً، وهو ما يجعله يعانى من أزمة اقتصادية طاحنة.

مكاتب الواسطة.. ثغرات لاستغلال العمال

وينمو قطاع توصيل الطلبات في مصر بشكل كبير، وخاصة منذ ظهور وانتشار «وباء كورونا»، إلا أن أعداد العاملين في هذا القطاع تتضارب بشكل كبير نتيجة تداخل القطاعين الرسمى وغير الرسمى؛ فبينما أشارت وزارة التضامن في 2022 إلى أن عدد عمال التوصيل وصل لـ6 ملايين، تُرجِّح تقديرات برلمانية حديثة في عام 2026 وجود قرابة 8 ملايين عامل، فيما تذهب تقديرات اتحاد عمال نقابات مصر إلى أن العدد الفعلى للعمالة النشطة والمسجلة في المنصات الكبرى لخدمات التوصيل يقارب 900 ألف عامل.

يعود هذا التفاوت إلى اعتماد شركات التوصيل الكبرى على «مكاتب وسيطة» لتسجيل المندوبين عبر تطبيقاتها كشركاء وليسوا موظفين، مقابل تقاضى عمولة عن كل طلب يُنفذه العامل «يتم تحصيله من الشركة مُباشرة»، وتسمح هذه الهيكلية للشركات بتجنب توقيع عقود مباشرة مع العمال، مما يحررها من أى التزامات قانونية أو حقوق تأمينية تجاه هذه الفئة، باعتبارهم غير تابعين وظيفياً لها، بحسب أقوال عدد من عمال الديليفرى لـ«الوطن».

وفي محاولة لضبط هذه الفجوة الإحصائية، بدأت وزارة العمل، مطلع هذا العام، أولى خطوات الحصر الرسمى لدمجهم ضمن منظومة «العمالة غير المنتظمة»، وذلك بالسماح لهم بتسجيل بياناتهم على الموقع الرسمى للوزارة، لضمان توفير حماية اجتماعية وتأمين صحى لهذه الفئة التي تعمل الغالبية العظمى منها خارج الأطر التعاقدية والقانونية الرسمية.

عمال توصيل

كيف تعمل شركات التوصيل في مصر؟

ويشير كثير من العاملين في توصيل الطلبات إلى أن رحلتهم للعمل في هذا القطاع بدأت من رؤية إعلان على منصات التواصل الاجتماعى لمكاتب شريكة لشركات التوصيل، تروج لرواتب مغرية تتراوح بين 20 و35 ألف جنيه شهرياً، مع ميزة تقاضى الأجر أسبوعياً، مما يجذب قطاعاً واسعاً من الشباب، إلا أن هذه الإعلانات تتجاهل ذكر العقبات الجسيمة التي قد تصل إلى حد الإهانة أو الفصل التعسفي بسبب سياسات شركات التوصيل، التي تضع العميل كأولوية دائمة، دون الاهتمام بعامل التوصيل، وهو ما أكده «مهند سمير»، الذي هجر المهنة عقب وفاة زميله دون نيل أى حقوق، واصفاً الواقع بكونه يخفي أزمات أعمق بكثير مما يتم الإعلان عنه.

ويروى «محمد خالد» الذي كان يعمل سابقاً كـ«ديليفرى»، أنه رأى إعلاناً للعمل، فبدأ بالتواصل مع المكتب وتحديد «الزون» المنطقة التي سيعمل بها، وبعدها يتم تحديد موعد لحضور ما يُعرف بـ«المحاضرة»، ويتم هذا في أحد فروع الشركة الأم في المنطقة، يتم خلالها شرح كيفية عمل التطبيق، وطريقة التعامل مع العملاء، وهو الأمر الذي يبدو كأنه «وظيفة الأحلام المثالية»، إلا أن الواقع مغاير تماماً.

ومع بدء العمل يكتشف العامل أن الأمر ليس بهذه السهولة، فمن البداية يتحمل التكاليف الأولية لمعداته، التي تضم «الباوتش» (الصندوق الذي يثبت على الموتوسيكل أو العجلة وهو المكان المخصص لحفظ الطلبات) وزى العمل «تيشيرتان» وتبلغ قيمتهما للجديد 800 جنيه، لكن أغلب العاملين يقومون بشرائه من عمال سابقين، وفي تلك الحالة تتراوح أسعارهما ما بين 300 و600 جنيه حسب حالتهما ومدة استخدامهما، حسبما أكد «محمد خالد»، الذي يوضح أن مساهمة المكتب تقتصر على توفير «جاكيت» شتوى بنظام العهدة، يُعاد تسليمه مع بداية فصل الصيف، مما يضع أغلب مصاريف التجهيز على كاهل العامل وحده.

تحقيق عمال التوصيل بين شبح الموت وسباق الوقت

إلى جانب الأعباء المادية، يُجبَر المندوب على توقيع «إيصال أمانة» تتراوح قيمته بين 10 و60 ألف جنيه حسب منطقة العمل، في حين تقتصر المزايا على تأمين طبى ضد الحوادث فقط، مع غياب تام للمظلة التأمينية الاجتماعية، حسبما يقول «خالد»، الذي يوضح أنه بمجرد تفعيل التطبيق، يُصنَّف المندوب ضمن نظام للترقى الوظيفي يُسمى بـ«الباتش»، مكون من 6 درجات، حيث تزيد قيمة توصيل «الأوردر» بمقدار جنيهين مع كل ارتقاء في الدرجة، ويتم محاسبة المندوب حسب عدد «الأوردرات» الناجحة فقط التي يقوم بها، وتتراوح قيمة التوصيل للدراجات الهوائية بين 24 و36 جنيهاً، وللدراجة النارية بين 20 و32 جنيهاً، وقد تختلف قيمة التوصيل من محافظة لأخرى.

تعتمد آلية العمل على نظام رقابى يبدأ قبل موعد المناوبة بنصف ساعة لضمان وجود المندوب في منطقة العمل، ولا يمكنه التأخر وإلا قد تُغلق المناوبة، وبمجرد بدء العمل يخضع العامل لنظام «معدل القبول» الصارم، إذ إن أى تأخر في قبول الطلب -حتى لو كان ناتجاً عن ضعف التغطية أو انقطاع الإنترنت- يؤدى تلقائياً لخفض تقييمه، بالإضافة إلى الالتزام بساعات الشيفت التي قد تكون 6 أو 8 ساعات عمل يومياً، إلا أن المشرف في المكتب يمتلك صلاحية مد هذه الساعات بشكل قسرى، مما يضع المندوب أمام خيارين؛ إما الامتثال للقرارات الإدارية أو التوقيف من التطبيق، حسبما يؤكد خالد.

سباق مع الوقت

وبحسب «خالد» فإن السرعة بالنسبة لمندوب التوصيل، سواء دراجة عادية أو نارية، ضرورة حتمية يفرضها نظام العمل وليست خياراً شخصياً؛ إذ تعتمد تطبيقات توصيل الطلبات مدة محددة تظهر للعميل على التطبيق دون أى اعتبار لازدحام أو طول مسافة، وأى تأخر في الوصول يعرِّض المندوب للجزاء، أو خفض التقييم، خاصة إذا تم التبليغ عن شكوى، وهو ما يجعل المندوب يجد نفسه في سباق محموم مع الزمن للالتزام بموعد التسليم المحدد، تفادياً لشكاوى العملاء.

كما أن قيمة راتب المندوب تتحدد حسب عدد الطلبات التي ينجح في توصيلها فقط، لذلك يسعى إلى تنفيذ أكبر قدر منها، حتى يتمكن من تحقيق عائد مناسب، وبالتالى فإنه يضطر أحياناً للسير بشكل مخالف، أو بشكل سريع، مما يجعل الكثيرين منهم معرضين للحوادث بدون أى دعم من المكتب أو الشركة الأم.

ويؤكد «خالد» أن عدداً كبيراً من مندوبى الطلبات من راكبى الدراجات النارية لا يمتلكون رخصة قيادة، بل رخصة للموتوسيكل فقط، والسبب في ذلك هو ضعف إمكانياتهم المادية.

حوادث بدون دعم من الشركة

يُعد التعرض للحوادث اليومية قدَراً ملازماً لمندوبى التوصيل، وهو ما يؤكده «عبده طه»، الذي يجمع بين عملين في قطاع التوصيل؛ أحدهما صباحاً في مطعم أسماك بمنطقة الهرم، والآخر ليلاً عبر إحدى شركات التطبيقات الكبرى.

ويروى «عبده» تفاصيل تعرضه لحادث تصادم قبل 3 أشهر، أسفر عن إصابة شديدة في الذراع والكتف، كاشفاً أن أول رد فعل له لم يكن الاطمئنان على سلامته، بل الاتصال الفورى بـ«المشرف» لضمان تحويل الطلب لزميل آخر، خشية تضرر تقييمه على التطبيق.

عمال توصيل

وقال «عبده» إنه خاض رحلة مُضنية للبحث عن قسم للطوارئ في المستشفيات التابعة لنظام التأمين الصحى للمكتب الوسيط، حيث مر على 3 مستشفيات إلا أن جميعها رفضت استقباله ووجهته للعيادات الخارجية التي تتطلب دفعاً نقدياً فورياً.

وأضاف أنه نظراً لعدم امتلاكه المال الكافي في تلك اللحظة، لجأ إلى مستشفي حكومى كخيار أخير، حيث قرر الطبيب وضع «جبيرة» مؤقتة لذراعه، وأخبره بضرورة المتابعة بعد أسبوع لتحديد حاجة الإصابة لتدخل جراحى وتركيب شرائح ومسامير طبية.

وأوضح «عبده» أن الصدمة الحقيقية تمثلت في رد فعل المشرف حين أطلعه على تعليمات الطبيب؛ إذ رفضت جهة العمل تحمُّل تكاليف المتابعة، متعللة بأن التأمين يغطى «وقت وقوع الحادث» فقط ولا يمتد للعلاج اللاحق، وهو ما جعله يدرك أن معاناته لم تكن جسدية فحسب، بل إدارية أيضاً، حيث اضطر للركض وحيداً خلف أوراقه الثبوتية والتأمينية دون أدنى مساندة من المكتب أو المشرفين.

واضطر عبده في تلك الحالة إلى تحمُّل نفقات علاجه والتي تجاوزت 6000 جنيه، شملت الأشعة والأدوية والجبس، فضلاً عن تعطل مصدر رزقه تماماً لمدة شهر كامل قضاه في المنزل. وهو ما تسبَّب له في أزمة معيشية طاحنة، اضطرته للعودة للعمل مرة أخرى بـ«يد مكسورة».

عمال توصيل

فجوة في الرواتب بين المحافظات

ويؤكد عبدالرحمن محمود، وهو مندوب توصيل منذ ما يقرب من عامين في مدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية، أن الراتب الذي يحصل عليه المندوب يخضع لشرطين أساسيين، الأول هو الموقع الجغرافي ونوع المركبة. ففي حين يمكن للمندوب في مناطق القاهرة الكبرى الوصول لدخل يقارب 25 ألف جنيه شهرياً -شرط امتلاك موتوسيكل مرخص- إلا أن هذا الرقم يهبط بشدة في الأقاليم والمحافظات الأخرى، ليتراوح ما بين 13 و16 ألف جنيه فقط، وهذا بسبب «سعر الأوردر»، مما يجعل الرواتب المعلنة في الإعلانات بعيدة المنال للأغلبية.

وعن طبيعة العلاقة مع شركة التوصيل الأم، أكد عبدالرحمن أن التواصل المباشر شبه منعدم؛ حيث يتم العمل عبر «مكاتب وسيطة» تعمل كحلقة وصل وحيدة وتدير عدداً كبيراً من المشرفين على عدد من عمال التوصيل، موضحاً أن هذه المنظومة تعتمد على الرقابة الرقمية الصارمة، إذ تُصرف الرواتب وتُحتسب الخصومات آلياً عبر التطبيق والمحافظ الإلكترونية، دون وجود مساحة حقيقية للتفاوض أو التدخل البشرى، وهو ما يضمن حق العامل، حسبما يعتقد.

وفيما يتعلق بإجراءات السلامة، قال عبدالرحمن بوضوح: «ليست كل العمالة قادرة على شراء خوذة بسبب تكلفتها المرتفعة»، لافتاً إلى أن الشركات لا توفر معدات الأمان إلا أحياناً في المحافظات الكبرى، تاركة مندوبى الأقاليم لمواجهة خطر الطريق دون حماية كافية.

وأوضح «عبدالرحمن» أن عدم قدرة المكاتب على التأمين على العاملين تجعلهم يعيشون في حالة خوف دائم، ففي حال وقوع إصابة تعيق العمل، يجد المندوب نفسه مضطراً لتحمُّل تكاليف العلاج من ماله الخاص، معتمداً أحياناً على الدعم غير الرسمى من زملائه.

السرعة في تسليم الطلبات لم تكن سمة لدى عمال التوصيل المسجلين في التطبيقات فقط، بل امتدت لتشمل مندوبى التوصيل التابعين للمطاعم أو سلاسل البقالة الكبرى، وهو ما أكده «محمد صلاح»، عامل توصيل بأحد مطاعم الدقى، الذي أوضح أن العميل يهتم بالسرعة والوقت أكثر من اهتمامه بجودة المنتج، مضيفاً أنه تعرَّض مراراً للتوبيخ بسبب التأخير حتى لو كان بسبب الزحام أو بعد المسافة.

وأضاف أن التأخير في تسليم الطلبات قد يكلف العامل عمله، خاصة في حال تصاعد شكوى العميل أو تهديده بإلغاء الطلب، لافتاً إلى أن وضعهم يظل أفضل نسبياً مقارنة بأقرانهم العاملين بالتطبيقات الرقمية، الذين يواجهون ضغوطاً زمنية قسرية، وهو ما يلمسه واقعياً من خلال تعامل هؤلاء «الطيارين» مع المطعم الذي يعمل به.

عمال التوصيل

وفيات متكررة

وبحسب «مهند سمير» الذي ترك العمل كمندوب توصيل، فقد شهد وفاة زميله بالعمل، «أحمد سلامة» خلال توصيل أحد الطلبات على دراجته النارية، في مدينة طنطا، عندما تعرَّض لحادث سيارة، وفي لحظة خاطفة فقد حياته.

هذه الحوادث الأليمة تكررت بشكل مقلق خلال الفترة الأخيرة، ومنها وفاة محمد عادل (27 عاماً) مندوب التوصيل الذي كان يستعد لبدء حياة جديدة عقب عيد الأضحى المقبل، ولقى مصرعه أثناء عمله في توصيل الطلبات منتصف أبريل الماضى، إثر حادث دراجة نارية بقرية الروضة التابعة لمركز بركة السبع بمحافظة المنوفية.

وقد تواصلت مُعدة التحقيق مع إحدى شركات التوصيل الكبرى، للحصول على ردود حول الاتهامات التي يوجهها عمال التوصيل لها فيما يتعلق بعدم وجود تأمين طبى حقيقى، وغيرها من الاتهامات، إلا أنها لم تتلق رداً حتى مثول الجريدة للطبع.

آلاف الضحايا على الطرق

وتؤكد البيانات الصادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء عن حوادث الطرق والقطارات الصادر عام 2025، تراجُع عدد الوفيات الناتجة عن حوادث الطرق خلال 2024 بنسبة 10.3% مقارنة بالأعوام السابقة، في مؤشر إيجابى نسبياً، لكن هذا المؤشر يقابله ارتفاع ملحوظ في أعداد المصابين بنسبة 7.5%. إذ زاد إجمالى الإصابات من 71٫016 حالة في 2023 إلى 76٫362 حالة في 2024، وهو ما يعكس تزايد المخاطر على الطرق، خاصة بالنسبة للفئات الأكثر عرضة للخطر، مثل عمال التوصيل الذين يعتمدون على الدراجات النارية والهوائية في عملهم اليومى.

بينما على الصعيد الدولى، يؤكد «التقرير العالمى للسلامة على الطرق 2023»، الصادر عن منظمة الصحة العالمية، أن حوادث الطرق هى القاتل الأول للشباب بين 5 و29 عاماً، مشيراً إلى أن راكبى الدراجات النارية يمثلون 30% من إجمالى الوفيات العالمي

قلق يسيطر على الشارع

هذا الهاجس المقلق من وقوع الحوادث بسبب مخالفة تعليمات المرور، أو السرعة المرتفعة، لم يعد يخيف مندوبى التوصيل فقط بل المواطنين أيضاً، الذين يشاهدون المأساة رأى العين، حسبما تروى المواطنة «نوال محمد»، ربة منزل، شهادتها عن لحظات لا تنساها حينما تأخر طلبها لأكثر من ساعة، وعندما فتحت الباب لم تجد طلبها فقط، بل وجدت شاباً ينزف من أنفه إثر حادث تعرَّض له في الطريق، وكل ما يشغل باله ألا تُقلل تقييمه على التطبيق حتى لا يتعرَّض لخصم.

بينما يحكى «أحمد سرور»، يعمل مُدرساً بإحدى المدارس الخاصة، مشهداً مؤسفاً حدث له بينما كان يقود سيارته بصحبة أطفاله، عندما كاد يصطدم به عامل ديليفرى كان يقود دراجته النارية عكس الاتجاه، مما تسبَّب في حالة رعب لأطفاله، ورغم إصراره على تحرير محضر رسمى، إلا أن المحيطين بدأوا يستعطفونه كونه «يجرى على لقمة عيشه»، وهو ما وافق عليه، خاصة أن العامل كان طالباً يوفر مصروفات دراسته.

وقالت «أسماء سمير»، مُمرضة في أحد المراكز الطبية، إنها شاهدت حادثاً لعامل توصيل على طريق سريع، بينما تجمَّع حوله زملاؤه من عمال التوصيل في حالة ذهول، يحاولون مساعدته وسط تخبط البعض بين الاتصال بالمشرف أو شركة التأمين أو المستشفى، وقد حاولت المساعدة قدر استطاعتها.

وتلفت «أسماء» النظر إلى أزمة حقيقية، وهى أن أغلب عمال التوصيل يشتركون في عدم ارتداء خوذة الأمان، وهو ما يُعرضهم لمخاطر الإصابة بالرأس مباشرة عند وقوع حوادث.

توجيهات رئاسية

الواقع الذي يعيشه عمال التوصيل تحدَّث عنه الرئيس عبدالفتاح السيسى خلال الاحتفال بعيد العمال مطلع مايو الجاري، ضمن حديثه عن العمالة غير المنتظمة بشكل عام، حيث وجَّه مباشرة بإقرار حزمة دعم اقتصادى فورى وشامل للعمالة غير المنتظمة، والتي يندرج تحتها عمال التوصيل.

وشملت هذه الحزمة صرف منحة استثنائية قدرها 1500 جنيه شهرياً لمدة ثلاثة أشهر متتالية، تبدأ من مايو وتستمر حتى يوليو 2026، كما شملت رفع قيمة تعويضات الوفاة الناجمة عن حوادث العمل من 200 ألف إلى 300 ألف جنيه، وزيادة تعويضات العجز الكلي والجزئي، مع توجيه صريح بإعفاء هؤلاء العمال من رسوم استخراج شهادات قياس المهارة وتراخيص مزاولة الحرفة لتسهيل دمجهم في الاقتصاد الرسمي.

صرف معاشات شهر يونيو

تفعيل مبادرة «سلامتك تهمنا»

وفي مسار الحماية الميدانية، تم تفعيل مبادرة «سلامتك تهمنا» التي تشرف عليها وزارة العمل المصرية، وذلك لتوفير أدوات الوقاية الشخصية لعمال التوصيل، مثل منح الخوذات المطابقة للمواصفات والسترات العاكسة، وتوزيعها مجاناً في المراحل الأولى للفئات الأكثر احتياجاً، وفق تصريحات عبدالوهاب خضر، المتحدث باسم وزارة العمل، لجريدة «الوطن». والذي أضاف أن الوزارة بدأت بشن حملات تفتيشية مكثفة على شركات المنصات الرقمية لضمان التزامها الصارم بمعايير السلامة والصحة المهنية، مع تحميل الشركات المسئولية القانونية عن توفير بيئة عمل آمنة وتدريب العمال على القيادة الوقائية والإسعافات الأولية للحد من معدلات حوادث الطرق.

ويؤكد «خضر» أنه حتى نهاية أبريل الماضى تم توزيع 6000 خوذة حماية مطابقة للمواصفات العالمية لتقليل إصابات الرأس التي تُعد السبب الرئيسى لحوادث مندوب التوصيل، ويتوقع أن تبدأ المرحلة الثانية لتوزيع تلك الأدوات خلال الأشهر المقبلة.

وتابع أن الوزارة تعمل حالياً على إنشاء «قاعدة بيانات متكاملة» لدمج جميع عمال التوصيل في منظومة الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي، مشدداً على أنه «لا شركة أو محل سيكون خارج الرقابة والتفتيش» لضمان التزامهم بتوفير مهمات الوقاية والقيادة الآمنة.


مواضيع متعلقة